محمد دياب الإتليدي
208
إعلام الناس بما وقع للبرامكة مع بني العباس ( نوادر الخلفاء )
فجلست ، فلم ألبث حتى دخل الرجل ، فقال : لا تخف فقد صرف الله عنك شرهم وصرت إلى الأمن والدعة إن شاء الله . فقلت : جزاك الله خيراً . فما زال يعاشرني أحسن معاشرة وأجملها وأفرد لي مكاناً من داره ولم يحوجني إلى شيء ولم يفتر عن تفقد أحوالي ، فأقمت عنده أربعة أشهر في أتم عيشٍ وأرغده إلى أن سكنت الفتنة وهدأت وزال أثرها ، فقلت له : أتأذن لي في الخروج حتى أتفقد حال غلماني ، فلعلي أقف منهم على خبر . فأخذ علي المواثيق بالرجوع إليه ، فخرجت وطلبت غلماني فلم أر لهم أثراً فرجعت إليه وأعلمته بالخبر ، وهو مع هذا كله لا يعرفني بنفسه ولا يعرف من أنا ، فقال لي : علام تعزم ؟ فقلت : عزمت على التوجه إلى بغداد . قال : إن القافلة بعد ثلاثة أيام تخرج . فقلت له : إنك قد تفضلت علي هذه المدة ، لك علي عهد الله إنني لا أنسى لك هذا الفضل ولأوفينك مهما استطعت . قال : فدعا بغلام أسود وقال له : أنعل الفرس الفلاني ، ثم جهز آلة السفر فقلت في نفسي : ما أشك أنه يريد أن يخرج إلى ضيعة له أو ناحية من النواحي . فأقاموا يومهم ذلك في كد وتعب ، فلما كان يوم خروج القافلة جاء في السحر ، فقال : يا فلان ! قم ، فإن القافلة تخرج الساعة ، وأكره أن تنفرد عنها . فقلت في نفسي : كيف اصنع وليس معي ما أتزود به ولا ما أكتري به مركباً ، ثم قمت ، فإذا هو وامرأته يحملان بقجة من أفخر اللباس وخفين جديدين وآلة السفر ، ثم جاءني بسيف ومنطقة فشدهما في وسطي ، ثم قدم لي غلاماً وعلى كتفه صرتان وفوقهما مرتبة السفر وسجادة من أفخر ما يكون ، وأعلمني بما في الصرتين أنه خمسة آلاف درهم ، وشد لي الفرس الذي أنعله بسرجه ولجامه ، وقال لي : اركب ، وهذا الغلام الأسود يخدمك ويسوس مركوبك ، وأقبل هو وامرأته يعتذران إلي من التقصير في أمري وركب معي من يشيعني ، وانصرفت إلى بغداد ، وأنا أتوقع خبره لأفي بعهدي له في مجازاته ومكافأته ، واشتغلت مع أمير المؤمنين فلم أقدر أن أتفرغ إلى أن أرسل إليه من يكشف خبره ، فلهذا أسأل عنه .