محمد دياب الإتليدي
205
إعلام الناس بما وقع للبرامكة مع بني العباس ( نوادر الخلفاء )
في الأحياء ، فلما كان اليوم الحادي عشر جاءني خادم ومعه جماعة من الخدم فقالوا : قم فأخرج إلى عيالك بسلام . فقلت : وا ويلاه ، أسلب الدنانير والصينية ، وأخرج على هذه الحالة ؟ إنا لله وإنا إليه راجعون . فرفع الستر الأول ثم الثاني ثم الثالث ثم الرابع ، فلما رفع الخادم الستر الأخير قال لي : مهما كان لك من الحوائج فارفعها إلي فإني مأمور بقضاء جميع ما تأمرني به . فلما رفع الستر الأخير رأيت حجرة كالشمس حسناً ونوراً واستقبلني منها رائحة الند والعود ونفحات المسك ، وإذا بصبياني وعيالي يتقلبون في الحرير والديباج ، وحمل إلي مائة ألف درهم ، وعشرة آلاف دينار ، ومنشور بضيعتين ، وتلك الصينية التي كنت أخذتها بما فيها من الدنانير والبنادق ، وأقمت يا أمير المؤمنين ، مع البرامكة في دورهم ثلاث عشرة سنة لا يعلم الناس أمن البرامكة أنا أم رجل غريب ، فلما جاءتهم البلية ونزل بهم يا أمير المؤمنين ، من الرشيد ما نزل أجحف بي عمرو بن مسعدة وألزمني في هاتين الضيعتين من الخراج ما لا يفي دخلهما به ، فلما تحامل علي الدهر كنت في آخر الليل أقصد خرائب دورهم ، فأندبهم وأذكر حسن صنيعهم إلي وأبكي على إحسانهم . فقال المأمون : علي بعمرو بن مسعدة . فلما أتي به قال له : تعرف هذا الرجل ؟ قال : يا أمير المؤمنين ، هو بعض صنائع البرامكة . قال : كم ألزمته في ضيعتيه ؟ قال : كذا وكذا . فقال له : رد إليه كل ما أخذته منه في مدته ، وأفرغهما له ليكونا له ولعقبه من بعده . قال : فعلا نحيب الرجل ، فلما رأى المأمون كثرة بكائه قال له : يا هذا ! قد أحسنا إليك ، فما يبكيك ؟ قال : يا أمير المؤمنين ، وهذا أيضاً من صنيع البرامكة ، لو لم آت خرائبهم فأبكيهم وأندبهم حتى اتصل خبري إلى أمير المؤمنين ، ففعل بي ما فعل من أين كنت أصل إلى أمير المؤمنين ؟ قال إبراهيم بن ميمون : فرأيت المأمون ، وقد دمعت عيناه وظهر عليه حزنه وقال : لعمري هذا من صنائع البرامكة ، فعليهم فابك ، وإياهم فاشكر ، ولهم فأوف ولإحسانهم فاذكر ، انتهى .