محمد دياب الإتليدي
203
إعلام الناس بما وقع للبرامكة مع بني العباس ( نوادر الخلفاء )
خلافة المأمون بن هارون الرشيد واسمه عبد الله ومما وضع في بطون الدفاتر ، واستحسنته عيون البصائر ، ونقلته الأصاغر عن الأكابر ، ما رواه خادم أمير المؤمنين المأمون قال : طلبني أمير المؤمنين المأمون ليلةً ، وقد مضى من الليل ثلثه ، فقال لي : خذ معك فلاناً وفلاناً ، وسماهما لي : أحدهما ، علي بن محمد ، والآخر ، دينار الخادم ، واذهب مسرعاً لما أقول لك ، فإنه بلغني أن شيخاً يحضر ليلاً إلى آثار دور البرامكة ، وينشد شعراً ويذكرهم ذكراً كثيراً ويندبهم ويبكي عليهم ، ثم ينصرف فامض أنت وعلي ودينار حتى تردوا تلك الخرائب فاستتروا خلف بعض الجدران ، فإذا الشيخ قد جاء وبكى وندب وأنشد أبياتاً فآتوني به . قال : فأخذتهما ومضينا حتى أتينا الخرائب ، فإذا نحن بغلام قد أتى ومعه بساطٌ وكرسي حديد ، وإذا شيخ قد جاء وله جمال وعليه مهابة ولطف ، فجلس على الكرسي وجعل يبكي وينتحب ويقول هذه الأبيات : ولما رأيت السيف جندل جعفراً . . . ونادى منادٍ للخليفة : يا يحيى بكيت على الدنيا وزاد تأسفي . . . عليهم وقلت : الآن لا تنفع الدنيا مع أبيات أطالها . فلما فرغ قبضنا عليه ، وقلنا له : أجب أمير المؤمنين ، ففزع فزعاً شديداً وقال : دعوني حتى أوصي بوصية فإني لا أوقن بعدها بحياة . ثم تقدم إلى بعض الدكاكين واستفتح وأخذ ورقة وكتب فيها وصية وسلمها إلى غلامه ثم سرنا به ، فلما مثل بين يدي أمير المؤمنين قال : حين رآه : من أنت ، وبم استوجبت منك البرامكة ما تفعله في خرائب دورهم ؟ قال الخادم : ونحن نستمع . فقال : يا أمير المؤمنين ، إن للبرامكة أيادي خضرة عندي ، أفتأذن لي أن أحدثك بحالي معهم ؟ قال : قل . فقال : يا أمير المؤمنين ؟ ؟ ! أنا المنذر بن المغيرة ، من أولاد الملوك ، وقد زالت عني نعمتي ، كما تزول عن الرجال ، فلما ركبني الدين ، واحتجت إلى بيع ما على رأسي ورؤوس أهلي وبيتي الذي ولدت فيه ، أشاروا علي بالخروج إلى البرامكة ، فخرجت من دمشق ومعي نيف وثلاثون امرأة وصبياً وصبية ، وليس معنا ما يباع ولا ما يوهب ، حتى دخلنا بغداد ونزلنا في بعض المساجد ، فدعوت ببعض ثياب كنت أعددتها لأستتر بها ،