محمد دياب الإتليدي
173
إعلام الناس بما وقع للبرامكة مع بني العباس ( نوادر الخلفاء )
مضى أخوك في طريق ولم يعلم بموضعك . فقال : ما رآنا أهلاً أن يزيننا بمركبه ويجملنا بجيشه . فقلت : العفو يا أمير المؤمنين ، لو علم بمكانك ما تعداك وما سار إلا بين يديك ، واعتذرت بما حضر لي من الكلام . ثم سرنا حتى انتهينا إلى ضيعة عامرة ومواشٍ كثيرة وعمارة حسنة ، وكان الطريق يدور عليها ، فدرنا حتى وردنا باب القرية ، فنظر الرشيد إلى البيدر وإلى كثرة الغلال فيه والمواشي ويسار أهلها ، فالتفت إلي وقال : يا إسماعيل لمن هذه الضيعة ؟ قلت : لأخيك جعفر بن يحيى . فسكت ثم تنفس الصعداء ثم سرنا ولم يزل يمر بكل ضيعة أعمر من الأخرى ، وكلما مر وسألني عن ضيعة قلت : لجعفر بن يحيى ، حتى سرنا ووصلنا إلى المدينة ، فلما أردت وداعه والانصراف إلى منزلي نظر إلي من كان حواليه نظرة ، فعلموا ما أراد فتفرقوا وبقيت أنا وهو ، فقال : يا إسماعيل . قلت : لبيك يا أمير المؤمنين . فقال : انظر إلى البرامكة أغنيناهم وأفقرنا أولادنا وأغفلنا أمرهم . فقلت في نفسي : بلية والله ، ثم قلت : لماذا يا أمير المؤمنين ؟ قال : نظرت لهؤلاء وغفلت عن هؤلاء لأني لا أعرف لأحد من أولادي ضيعة من ضياع البرامكة على طريق واحد ، على قرب هذا المدينة ، فكيف بما هو لهم غير ذلك على غير هذا الطريق في سائر البلدان . فقلت : يا أمير المؤمنين إنما البرامكة عبيدك وخدمك ، والضيعات وأموالهم وكل ما يملكون لك . فنظر إلي نظرة جبار عنيد . ثم قال : ما عد البرامكة بني هاشم إلا عبيدهم ، وأنهم هم الدولة وأن لا نعمة لبني العباس إلا والبرامكة أنعموا عليهم بها . فقلت : أمير المؤمنين أبصر من غيره بخدمه ومواليه . فقال : والله يا إسماعيل ! إنك لتعلم أني قلت هذا وكأني أراك أن تعلمهم بكلامي فتتخذ لك عندهم يداً ، وإني آمرك أن تكتم هذا الأمر فإنه ما علم به أحد غيرك ، ومتى بلغهم شيء مما جرى ؟ علمت أنه ما أفشاه إلا أنت .