محمد دياب الإتليدي
148
إعلام الناس بما وقع للبرامكة مع بني العباس ( نوادر الخلفاء )
وقامع المفسدين وإمام المتقين هناك الله بما أعطاك وجعل الجنة مأواك والنار مثوى لأعداك وأنشد يقول : لا زال بابك كعبة مقصودةً . . . وترابها فوق الجباه رسوم حتى ينادي في البلاد بأسرها . . . هذا المقام وأنت إبراهيم فعند ذلك تبسم الخليفة في وجهه ، ورد عليه السلام وأظهر له الإحسان والإكرام وقربه إليه ، وأجلسه بين يديه وقال له : يا نور الدين أريد أن تحدثني بحديثك الليلة يا مسكين ، فإنه من أعجب الأمور . فقال الشاب : العفو يا أمير المؤمنين ، أعطني منديل الأمان ليهدأ روعي ويطمئن قلبي . فقال الخليفة : لك الأمان . فشرع الشاب يتحدث بالذي جرى له من أوله إلى آخره ، فعلم الخليفة من غير إطالة أن الصبي عاشق لا محالة ، فقال الخليفة : أتحب أن أردها إليك يا مسكين ؟ قال : نعم يا أمير المؤمنين ثم أنشد يقول : إن رمت إحساناً فهذا وقته . . . أو رمت معروفاً فهذا حينه فعند ذلك التفت الرشيد إلى الوزير وقال له : أحضر أختك الست دنيا بنت الوزير يحيى . فقال له : السمع والطاعة . فأحضرها في الوقت فلما مثلت بين يديه قال لها : أتعرفين هذا من ؟ فقالت : أين للنساء معرفة بالرجال ؟ فتبسم وقال : يا دنيا قد عرفنا الحال وسمعنا الحكاية من أولها إلى آخرها وفهمنا باطنها وظاهرها ، والأمر لا يخفى وإن كان مستوراً . فقالت : كان ذلك في الكتاب مسطوراً ، وأن أستغفر الله مما جرى مني ، وأسأل من فيض الفضل العفو عني . فضحك الخليفة وأحضر القاضي والشهود وعقد له ثانياً عليها . وحصل له سعد السعود ، وأكمد العدو والحسود وجعله نديمه وزاد تكريمه ، وعاش بقية عمره في أهنإ عيش ونعمةٍ ، يجالس الخليفة في الليل والنهار ، تؤانسه الست دنيا ذات الفخار .