محمد دياب الإتليدي
146
إعلام الناس بما وقع للبرامكة مع بني العباس ( نوادر الخلفاء )
وحلفتني أن لا أنتقل من موضعي ، فأخذت جواريها وذهبت إلى الحمام ، فوالله يا إخواني ما لحقت أن تخرج من رأس الزقاق ، إلا والباب قد فتح ودخلت منه عجوز وأي عجوز ، وقالت : يا نور الدين الست زبيدة تدعوك ، فقد سمعت بشبابك وطيب غنائك . فقلت : والله علي يمين أنني ما أقوم من مقامي حتى تأتي الست دنيا . فقالت العجوز : يا نور الدين لا تخل الست زبيدة تصير عدوتك ، فقم كلمها وارجع . فقمت من وقتي إليها والعجوز أمامي إلى أن أوصلتني إلى الست زبيدة ، فلما وصلت إليها ، قالت : يا نور الدين أنت معشوق الست دنيا ؟ فقلت : مملوكك وعبد رقك . فقالت : صدق الذي وصفك بالحسن والجمال ، فإنك فوق الوصف والمقال ، ولكن عن لي شيئاً حتى أسمعك ؟ فقلت : السمع والطاعة ، فأتتني بعود فغنيت عليه وأنشدت أقول : قلب المحب مع الأحباب متعوب . . . وجسمه بيد الأسقام منهوب ما في الركائب من زمت حمولهم . . . إلا وكان له في الظعن محبوب أستودع الله لي في حبكم قمراً . . . يهواه قلبي وعن عيني محجوب يرضى ويغضب ، ما أحلى تدلله . . . وكل ما يفعل المحبوب محبوب فقالت لي : حفظ الله بدنك وطيب أنفاسك ، فلقد كملت في الحسن والظرف والمعنى ، فقم إلى مكانك قبل أن تجيء إليه الست دنيا فلا تجدك فتغضب عليك . فقبلت الأرض وخرجت العجوز أمامي إلى أن أوصلتني إلى الباب الذي خرجت منه ، فدخلت وجئت إلى السرير لأجلس فوجدتها جاءت من الحمام ونامت على السرير ، فقعدت عند رجليها وصرت أكبسها ، ففتحت عينيها فرأتني فجمعت رجليها ورفستني فرمتني من على السرير وقالت : يا نور الدين ! خنت اليمن وكذبت . وذهبت إلى الست زبيدة ؟ ووالله لولا خوفي من الهتيكة والفضيحة لخربت قصرها على رأسها . ثم قالت لعبدها : يا صواب ، قم اضرب رقبة هذا النذل الكذاب ، فلا حاجة لنا به . فتقدم ذلك الخادم إلي وشرط ذيلي وعصب عيني ، وأراد أن يضرب رقبتي فقامت إليها الجواري الكبار والصغار ، وقلن لها : يا ستاه ، ما هو بأول من أخطأ ما عرف خلقك ، وأنت ما تبغضينه ، وما فعل ذنباً يوجب أن تقتليه .