محمد دياب الإتليدي
144
إعلام الناس بما وقع للبرامكة مع بني العباس ( نوادر الخلفاء )
فقمت إلى الدهليز وجلست على الدكة ساعة ، وإذا بجارية خرجت إلي ، وقالت : يا سيدي ! تقول لك سيدتي ادخل واجلس على جانب الإيوان حتى تقبض مالك . فقمت فدخلت وجلست حيث أمرتني ، وإذا بكرسي من الذهب وعليه ستارة من الحرير الأحمر ، وإذا بتلك الستارة قد رفعت فبان من تحتها تلك الجارية التي اشترت مني العقد ، وقد أسفرت عن وجه كأنه دائرة القمر ، والعقد في عنقها فدهش عقلي وحار ذهني ولبي من رؤية تلك الجارية وحسنها ، فلما رأتني قامت من على الكرسي ، وسعت نحوي ، وقالت : يا نور الدين ! هل رأيت جميلة مثلي ؟ فقلت : يا سيدتي الحسن كله فيك ، وهو من بعض معانيك . فقالت : يا علي ، اعلم أني أحبك وما صدقت أنك صرت عندي . ثم إنها طوقتني وعانقتني ، فقبلتها وقبلتني ثم جذبتني وعلى صدرها رمتني . فلما علمت مني أني أريد أن أهم بها قالت : يا علي ، أتريد أنن تجتمع بي في الحرام ، والله لا كان من يفعل الآثام ويرضى بقبيح الكلام ، فإني بكر عذراء ما دنا مني أحد ، ولست مجهولةً في البلد ، أتعلم من أنا ؟ فقلت : لا والله ، وحلفت لها يميناً . فقالت : أنا الست دنيا بنت يحيى بن خالد البرمكي ، وأخي جعفر . فلما سمعت منها ذلك جمعت خاطري عنها ، وقلت : يا سيدتي ما لي ذنب في التهجم عليك ، أنت التي أطمعتني في إحسانك والوصول إلى جنابك . فقالت : لا بأس عليك ولا بد من الإحسان إليك فإن أمري بيدي ، والقاضي ولي عقدي ، والقصد أن أكون لك وتكون لي . ثم إنها دعت بالقاضي والشهود وبذلت المجهود ، فلما حضروا قالت لهم : هذا نور الدين علي بن الجوهري قد طلب زواجي ودفع لي هذا العقد مهري ، وأنا قد قبلت ورضيت . ثم إن القاضي حمد الله تعالى وأثنى عليه وكتب الكتاب فدخلت عليها بعد أن أعطت للقاضي شيئاً ما له حساب ، وأحضرت المدام وأحضرت الأقداح بأحسن نظام ، فلما لعبت الخمرة في رؤوسنا أمرت جارية عوديةً أن تغني فأنشأت تقول : قلبي وآمالي بباب رجاكمو . . . لا أبتغي في الكون غير رضاكمو يا جيرة جاروا علي ببعدهم . . . حنوا علينا وارحموا مضناكمو