محمد دياب الإتليدي

139

إعلام الناس بما وقع للبرامكة مع بني العباس ( نوادر الخلفاء )

فقال : سمعاً وطاعة . ثم ساروا إلى أن وصلوا إلى قصر عظيم الشأن محكم البنيان ما حواه سلطان ، قصر قام من التراب وتعلق بأكتاف السحاب ، بابه من خشب الساج ، مرصع بالذهب الوهاج ، يدخل منه إلى إيوان بفسقية وشاذروان ، وحصر عبدانية ومخدات اسكندرانية ، وستر مسبول وفرش يذهل العقول ، وعلى عتبة الباب مكتوب هذان البيتان : قصر عليه تحية وسلام . . . نشرت عليه جمالها الأيام فيه العجائب والغرائب نوعت . . . فتحيرت في نعتها الأقلام قال : فدخل الخليفة الثاني إلى القصر ، والجماعة في خدمته ، إلى أن جلس على كرسي من الذهب مرصع بالدر والجوهر ، وعلى الكرسي بشخانة من الحرير الأخضر لا يرى مثلها إلا عند كسرى وقيصر ، مزركشة بالذهب الأحمر ، معلقة في بكرة من الصندل ، رباطاتها من الحرير الأصفر ، هذا وقد جلس الندماء في مراتبهم ، وصاحب سيف النقمة واقف بين يديه ، فمدوا السماط وأكلوا ورفعوا الخوان ، ولأيديهم غسلوا ، وأحضرت آلة المدام ، ووضعت الطاسات والأواني وصففت الأباريق والكاسات والقناني ، ودار الدور إلى أن وصل إلى الخليفة هارون الرشيد ، فامتنع من الشراب فقال الخليفة الثاني لجعفر : ما بال صاحبك لا يشرب . فقال : يا مولاي له مدة ما شرب . فقال الشاب : عندي مشروب غير هذا يصلح لصاحبك . علي بشراب التفاح ! ففي الحال أ ؛ ضر فقدم بين يدي هارون الرشيد وقال : كلما وصل إليك الدور فاشرب من هذا ، ولا يزالون يشربون في انشراح وتعاطي أقداح إلى أن تمكن الشراب من رؤوسهم واستولى على عقولهم ونفوسهم فقال الرشيد لوزيره : والله يا وزير ما عندنا آنية مثل هذه الآنية ، فيا ليت شعري من يكون هذا الشاب . فبينما هما يتحدثنا بلطافة إذ لاحت من الشاب التفاتة فوجد الوزير يسار الخليفة ، فقال : المسارة عربدة . فقال الوزير : ما ثم عربدة ، إلا أن رفيقي هذا يقول : سافرت غالب البلاد ، ونادمت الملوك وعاشرت الأجناد ما رأيت أحسن من هذا النظام ولا مثل آنية هذا المدام ، إلا أن أهل بغداد يقولون الشراب بلا سماع من جملة المجون .