محمد دياب الإتليدي

122

إعلام الناس بما وقع للبرامكة مع بني العباس ( نوادر الخلفاء )

جميل والفتى العذري وحبيبته وحكى مسرور الخادم قال : أرق الرشيد أرقاً شديداً ليلة من الليالي ، فقال : يا مسرور من على الباب من الشعراء ؟ فخرجت إلى الدهليز فوجدت جميل بن معمر العذري فقلت : أجب أمير المؤمنين فقال : سمعناً وطاعة . فدخلت ودخل معي إلى أن صار بين يدي هارون الرشيد فسلم بسلام الخلافة ، فرد عليه وأمره بالجلوس ، فقال له الرشيد : يا جميل ، أعندك شيء من الأحاديث العجيبة ؟ قال : نعم يا أمير المؤمنين ، أيما أحب إليك ، ما عاينته ورأيته أو ما سمعته ووعيته ؟ فقال : بل حدثني عما عاينته ورأيته . فقال : نعم يا أمير المؤمنين ، أقبل علي بكلك واصغ إلي بأذنك قال : فقعد الرشيد إلى مخدة من الديباج الأحمر المزركش بالذهب ، محشوة بريش النعام ، فجعلها تحت فخذه ثم مكن منها مرفقيه ، وقال : هلم بحديثك . فقال : اعلم يا أمير المؤمنين ، أني كنت مفتوناً بفتاة محباً لها ، وكنت آلفها إذ هي سؤلي وبغيتي من الدنيا ، وإن أهلها رحلوا بها لقلة المرعى ، فأقمت مدة لا أراها ، ثم إن الشوق أقلقني وجذبني إليها ، فراودتني نفسي بالمسير إليها فلما كانت ذات ليلة من الليالي ، هزني الوجد إليها ، فقمت وشددت رحلي على ناقتي واعتممت بعمتي ولبست أطماري وتقلدت بسيفي وتنكبت حجفتي ، وركبت ناقتي وخرجت طالباً لها ، وكنت أجد في السير ، فسرت وكانت ليلة مظلمة مدلهمة ، وأنا مع ذلك أكابد هبوط الأودية وصعود لجبال ، أسمع زئير الأسد وعواء الذئاب ، وأصوات الوحوش من كل جانب ، وقد ذهل عقلي وطاش لبي ، ولساني لا يفتر عن ذكر الله تعالى . فبينما أنا أسير كذلك إذ غلبني النوم فأخذت بي الناقة على غير الطريق التي كنت فيها ، وزاد علي النوم ، وإذا أنا بشيء لطمني في رأسي فانتبهت فزعاً مرعوباً ، وإذا بأشجار وأنهار وماء وأطيار على تلك الأغصان تترنم بلغاتها وألحانها ، وشجار ذاك المرج مشتبكة بعضها ببعض ، فنزلت عن ناقتي وأخذت زمامها بيدي ، ولم أزل أتلطف بها إلى أن خرجت بها من تلك الأشجار إلى أرض فلاة ، فأصلحت كورها ، واستويت راكباً على ظهرها ، ولا أدري إلى أين أذهب ولا إلى ما تسوقني الأقدار ؟ فمددت نظري في تلك البرية ، فلاحت لي نار في صدرها فوكزت ناقتي وسرت طالباً إلى أن وصلت إلى