محمد دياب الإتليدي

119

إعلام الناس بما وقع للبرامكة مع بني العباس ( نوادر الخلفاء )

وأنف أقنى تحته ثغر كاللؤلؤ ، وأسنان كالدر ، وقد غلب عليها الطيب ، وهي والهة حيرى ذاهبة في الدهليز ورائحة تخطر على أكباد محييها في مشيتها ، وقد خالط أصوات نعلها خلاخلها ، فهي كما قال الشاعر فيها : كل جزء منم محاسنه . . . كائن من حسنها مثلا فهبتها يا أمير المؤمنين ، ثم دنوت منها لأسلم عليها ، فإذا الدهليز والدار والشارع قد عبق بالمسك ، فسلمت عليها فردت بلسان منكسر وقلب حزين حريق مسعر . فقلت لها : يا سيدتي ، إني شيخ غريب أصابني عطش ، أفتأمرين بشربة من ماء تؤجرين عليها ؟ قالت : إليك عني يا شيخ ، فإني مشغولة عن الماء وادخار الزاد . قلت : لأي علة يا سيدتي ؟ قالت : لأني عاشقة لمن لا ينصفني ، وأريد من لا يريدني ، ومع ذلك فإني ممتحنة برقباء فوق رقباء . قلت : وهل يا سيدتي على بسيطة الأرض من تريدينه ولا يريدك ؟ قالت : نعم ، وذلك لفضل ما ركب فيه من الجمال والكمال والدلال . قلت : وما وقوفك في هذا الدهليز ؟ قالت : ههنا طريقه وهذا أوان اجتيازه . فقلت لها : يا سيدتي ، فهل اجتمعتما في وقت من الأوقات ووجد حديث في هذا القرب ؟ فتنفست الصعداء وأرخت دموعها على خدها كطل سقط على ورد ، ثم أنشدت تقول : وكنا كغصني بانة فوق روضة . . . نشم جني اللذات في عيشة رغد فأفرد هذا الغصن من ذاك قطع . . . فيا من رأى فرداً يحن إلى فرد قلت : يا هذه ، فما بلغ من عشقك لهذا الفتى ؟ قالت : أرى الشمس على حائطهم أحسب أنها هو ، وربما أراه بغتة فأبهت ويهرب الدم والروح من جسدي وأبقى الأسبوع والأسبوعين بغير عقل . فقلت لها : فاعذريني ، فأنت على ما بك من الصبا وشغل البال بالهوى ونحول الجسم وضعف القوى أرى بك من اللون ورقة البشرة فكيف لو لم يمسك الهوى لكنت مفتنةً في أرض بصرة . قالت : والله قبل محبتي هذا الغلام كنت تحفة الدلال والجمال والكمال ، ولقد فتنت جميع ملوك البصرة حتى فتنني هذا الغلام .