نشوان بن سعيد الحميري
29
ملوك حمير وأقيال اليمن وشرحها المسمى خلاصة السيرة الجامعة لعجائب الملوك التبابعة
ذلك لكم ، وفعله لي ربي وربكم ، ما الذي تفعلون ؟ قالوا : نعبد إلهك ، ونؤمن به ، ونتبعك . فأخذ عليهم صالح العهود والمواثيق وتأكد عليهم أشد التأكيد . وكان لثمود عيد في كل سنة يخرجون إليه ، يجتمعون ، ويأكلون ، ويشربون ، ويقربن لأصنامهم القربان ، فخرجوا وخرج معهم صالح ، فلما قضوا ما يحتاجون إليه من عيدهم ، وصالح معتزل عنهم قريب من صخرة كانت هنالك ، يعبد الله تعالى ، فلما كان من الغد ، اجتمعوا إلى صالح فتحدثوا ما شاء الله ، ثم نظروا إلى صخرة منفردة في قاع أفيق ، قالوا : يا صالح ، إنا نطلب منك أنْ تخرج لنا من هذه الصخرة ناقة حمراء عشراء لها ضجيج وعجيج ، ورغاء شديد ، تفور لبنا سائغا . فإن فعلت لنا ذلك ، فعلنا لك فعلنا لك عاهدناك عليه ، وإلاّ علمنا أنك كاذب . وإنما سألوا ذلك الجزاء به ، وظنوا أنه لا يفعل ، ولا يكون منه ذلك ، ولا يقدر عليه . ولم يكن الله ليحقر نبيه ، وهو القادر على ما يشاء ، فقال لهم صالح : زيدوا أعطوني عهودكم ومواثيقكم على ذلك ، فأعطوه ما وثق به ، ثم قام صالح ، وصلى ما شاء الله ، ثم رفع رغبته إلى الله ، فدعاه ، وتضرع إليه ، وهم يدعون أصنامهم أنْ تحول بين صالح وبين ذلك . فبينما هم ينظرون اى صالح ما يفعل له إله ، وما تفعل لهم أصنامهم ، إذ نظروا اى الصخرة تتحرك وترتعد من خشية الله تعالى ، ثم اضطربت ، فنظروا إليها تتمخض كما تتمخض المرأة للولد ، ثم انصدعت وانفلقت عن ناقة عظيمة ، على ما سألوا ووصفوا . إلاّ إنَّ الله عظم خلقها على كل دابة في الأرض . وكانت كأنها طود عظيم ، رأسها كأعظم بعير فلما رأى ذلك رئيسهم جندع بن عمرو خرو لله ساجدين ، وسجد معهم بشر كثير من عظمائهم ، وأقر الله عين نبيهم ، وصدق ظنه ، وكانت العامو من ثمود عند ذلك قد خشو أنْ يموت تلك الساعة ، فهل تسمع لهم خبرا ، أو تنظر لهم أثرا ؟ ثم أوصيك أنْ تعمل لدنياك بسنة آبائك ، فقد انتهى إليك ما ك من وصية آبائك ووصية جدك سبأ بن يشجب ، وما افترق عليه أبناؤه يوم الوصية والقسمة ، وهما جداك حمير وكهلان ، فلا تجرين الأمور إلاّ على ما جرت به الرسوم من عصرهما ذلك إلى هذه الغاية ، ووصى بذلك من صلى بذلك الأمر من ولدك أو بني عمك . وأوصيك بالاستقامة على ما وجدتني من العدل والرعية والتجاوز عن المسئ ، والكف عن أذى العشيرة ، والتحفظ بها ، والتحب إليها ، فما المرء بقومه ولو عز وعلا ، ثم أنشأ يقول : عريب لا تنسى ما وصى أبوك به . . . إنْ الوصية لمّا يعدها الرشد كل امرى عزه فاعلم عشيرته . . . وفي العشيرة العز والعدد أما رأيت ثمودا أمس كيف لقوا . . . سوء النكال وعادا قبلها انجردوا من بعد ما ملؤوا سهل البلاد فلم . . . ينفعهم عدد منهم ولا جلد ولمّا اعتعزل نبت عن العمل في ولاية زهير ، ونصب ابنه الغوث ، أقبل عليه وكان كاملا في أحواله من الشجاعة ، والفطن ، والرأي الثاقب ، فقال يرثي أيمن الهميسع - ويوصيه : قضى نحبه بعد الهميس أيمن . . . وأيمن فاعلم خبر حي وهالك وكل امرئ لا شك يقضي قضاءه . . . ويسقي بحوض المنهل المتدارك