عبد الملك الثعالبي النيسابوري
68
أبو الطيب المتنبي وما له وما عليه
ويجمع البديع النادر والضعيف الساقط . فبينا ، هو يصوغ أفخر حلي ، وينظم أحسن عقد ، وينسخ أنفس وشئ ، ويختال في حديقة ورد ، إذا به وقد رمى بالبيت والبيتين في إبعاد الاستعارة ، أو تعويص اللفظ ، أو تعقيد المعنى ، إلى المبالغة في التكليف ، والزيادة في التعمق ، والخروج إلى الإفراط والإحالة والسفسفة ، والركاكة والتبرد والتوحش ، باستعمال الكلمات الشاذة ، فمحا تلك المحاسن ، وكدر صفاءها ، وأعقب حلاوتها مرارة لا مساغ لها ، واستهدف لسهام العائبين ، وتحكك بألسنة الطاعنين : فمن متمثل بقول الشارع ( من الكامل ) : أنت العروس لها جمال رائق . . . لكنها في كل يوم تصرع ومن مشبه إياه بمن يقدم مائدة تشتمل على غرائب المأكولات وبدائع الطيبات ، ثم يتبعها بطعام وضر ، وشراب عكر ، أومن يتبخر بالند المعشب المثلث ، المركب من العود الهندي والمسك الأصهب والعنبر الأشهب ، ثم يرنقه بإسار الريح الخبيثة ، ويفسده بالرائحة الردية ، أو بالواحد من عقلاء المجانين ينطق بنوادر الكلم ، وطرائف الحكم ، ثم يعتريه سكرة الجنون فيكون أصلح أحواله وأمثل أقواله أن يقول : اعذرني فإن العذرة متعذر فمما نشر أبو الطيب من هذا النمط قوله ( من الخفيف ) : أتراها لكثرة العشاق . . . تحسب الدمع خلقة في الآقي ؟ وهو ابتداء ما سمع بمثله ، ومعنى تفرد بابتداعه ، ثم شفعه بما لا يبالي العاقل أن يسقطه من شعره فقال : كيف ترثي التي كل جفن . . . راءها غير جفنها غير راقي وقوله ( من الطويل ) : ليالي بعد الظاعنين شكول . . . طوال ، وليل العاشقين طويل