عبد الملك الثعالبي النيسابوري
32
أبو الطيب المتنبي وما له وما عليه
سافر إلى بلاد الشام ، فلم يزل ينقله من باديتها إلى حضرها ، ومن مدرها إلى وبرها ، ويسلمه في المكاتب ، ويردده في القبائل . ومخايله نواطق الحسنى عنه . وضوامن النجح فيه ، حتى توفي أبوه وقد ترعرع أبو الطيب وشعر وبرع . وبلغ من كبر نفسه وبعد همته أن دعا إلى بيعته قوما من رائشي نبله على الحداثة من سنه والغضاضة من عوده ، وحين كاد يتم له أمر دعوته تأدى خبره إلى والى البلدة ، ورفع إليه ما هم به من الخروج . فأمر بحبسه وتقيده ، وهو القائل في الحبس قصيدته التي أولها ( من المتقارب ) : أيا خدد الله ورد الخدود . . . وقد قدود الحسان القدود ومنها استعطافه ذلك الأمير والتنصل مما قذف به : أمالك رقي ، ومن شأنه . . . هبات اللجين وعتق العبيد دعوتك عند انقطاع الرجا . . . ء ، والموت منى كحبل الوريد دعوتك لما براني البلى . . . وأوهن رجلي ثقل الحديد ومنها : وقد كان مشيهما في النعال . . . فقد صار مشيهما في القيود وكنت من الناس في محفل . . . فها أنا في محفل من قرود تعجل في وجوب الحدود . . . وحدي قبل وجوب السجود ! أي : إنما تجب الحدود على البالغ ، وأنا صبي لم تجب على الصلاة بعد ، ويجوز أن يكون قد صغر سنه وأمر نفسه عند الوالي ، لأن من كان صبياً لم يظن به اجتماع الناس إليه للشقاق والخلاف