مركز الرسالة
36
الأمر بين الأمرين
التبرير العقائدي لهذا الاتجاه هو تنزيه ساحة الله تعالى من أن يكلف الانسان بما لا يقدر عليه ، فيما كان قضاء الله تعالى وقدره بعكس ما يأمر به وينهى عنه ، وتنزيه الله سبحانه من أن يخلق السيئات والمعاصي والكفر والشرك والظلم والعدوان في سلوك العباد . يقول عبد القادر البغدادي في ( الفرق بين الفرق ) في بيان آراء المعتزلة : ( ومنها قولهم جميعا إن الله تعالى غير خالق لأكساب الناس ولا لشئ من أعمال الحيوانات ، وقد زعموا أن الناس هم الذين يقدرون أكسابهم ، وأنه ليس لله عز وجل في أكسابهم ولا في أعمال سائر الحيوانات صنع ولا تقدير ) ( 1 ) . وقال السيد الشريف في ( شرح المواقف ) : ( إن المعتزلة استدلوا بوجوه كثيرة مرجعها إلى أمر واحد ، وهو أنه لولا استقلال العبد بالفعل على سبيل الاختيار لبطل التكليف وبطل التأديب الذي ورد به الشرع وارتفع المدح والذم ) . وروى زهدي جار الله عن ( المعتزلة ) : إجماعهم على أن العباد خالقون لأفعالهم مخترعون لها ، وأن الله تعالى ليس له في أفعال العباد المكتسبة صنع ولا تقدير ( 2 ) . ويقول صدر المتألهين ( رحمه الله ) : ( ذهبت جماعة كالمعتزلة ومن يحذو حذوهم إلى أن الله تعالى أوجد العباد وقدرهم على تلك الأعمال وفوض إليهم الاختيار . فهم مستقلون بإيجاد تلك الأفعال على وفق مشيئتهم
--> ( 1 ) الفرق بين الفرق : 94 ، دار الآفاق الجديدة ببيروت . ( 2 ) المعتزلة : 92 ، وبنفس المضمون في الملل والنحل للشهرستاني 1 : 91 .