عبد اللطيف البغدادي

30

الإفادة والاعتبار في الأمور المشاهدة والحوادث المعاينة بأرض مصر

طرَباً ، ومهما استنبطت منه معنى ، أنبأك بما هو أغرب ، ومهما استثرت منه عِلما دلذَكَ على أنَّ وراءه ما هو أعظم . فمن ذلك البيت المسمَّى بالبيت الأخضر ، وهو حَجرٌ واحدٌ تسع أذرع ارتفاعاً في ثمان طولا في سبع عرضا ، قد حفر في وسطه بيت ، قد جُعل سُمك حيطانه وسقفه وأرضه ذراعين والباقي فضاء البيت ، وجميعه ظاهرا أو باطنا منقوش ومصور ومكتوب بالقلم القديم ، وعلى ظاهره صورة الشمس مما يلي مطلعها وصور كثير من الكواكب والأفلاك ، وصور الناس والحيوان على اختلافٍ مِن النصبات والهيئات ، فمن بين قائمٍ وماشٍ ومادٍ رجليه وضامِّهما ومشمِّرٍ للخدمة وحاملِ آلاتٍ ومشير بها ، يُنبي ظاهر الأمر أنه قصد بذلك محاكاة أمور جليلة ، وأعمال شريفة وهيئات فاضلة وإشاراتٍ إلى أسرار غامضة ، وأنَّها لم تتَّخَذ عَبَثاً ولم يُستفرغ في صنعتها الوسع لمجرد الزينة والحُسن ، وقد كان هذا البيت مُمكَّناً على قواعد من حجارة الصوان العظيمة الوثيقة ، فحفَر تحتها الجهلة والحمقى طمعاً في المطالب ، فتغير وضعه وفسد هندامه واختلف مركز ثقله بعضه على بعض فتصدع صدوعا طفيفة يسيرة ، وهذا البيت قد كان في هيكل عظيم مبني بحجارة عاتية جافية على أتقن هندام وأحكم صنعة ، وفيها قواعد على عَمَدٍ عظيمة ، وحجارة الهرم متواصلة في جميع أقطار هذا الخراب ، وقد بقي في بعضها حيطان ماثلة تبلك الحجارة الجافية وفي بعضها أساس وفي بعضها أطلال ، ورأيتُ عقد بابٍ شاهقا ركناهُ حجرانِ فقط ، وأزحجة حجر واحد قد سقط بين يديه ، وتجد هذه الحجارة مع الهندام المحكم والوضع المتقن قد حفر بين الحجرين منها نحو شبر في ارتفاع إصبعين وفيه صدأ النحاس وزنجرته ، فعلمتُ أنّ ذلك قيودٌ لحجارة البناء وتوثيقٍ لها ورباطات ، بينها بابان يجعل بين الحجرين ، ثم يُصبُّ عليه الرصاص ، وقد تتبَّعها الأنذالُ المغرورون ، فقلعوا منها ما شاء الله تعالى وكسروا لأجلها كثيرا من الحجارة حتى يصلوا إليها ، ولعمر الله قد بذلوا الجهد في استخلاصها وأبانوا عن تمكُّنٍ من اللؤم وتوغُّلٍ في الخساسة ، وأما الأصنام وكثرة عددها وعظم صورها فأمرٌ يفوتُ الوصفَ ويتجاوز التقدير ، وأمّا إتقان أشكالها وإحكام هيئاتها والمحاكاة بها الأمور الطبيعية فموضع التعجب بالحقيقة ، فمن ذلك صنم ذرعناهُ سوى قاعدته فكان نيِّفاً وثلاثين ذراعاً ، وكان مداه من جهة اليمين