عبد اللطيف البغدادي

14

الإفادة والاعتبار في الأمور المشاهدة والحوادث المعاينة بأرض مصر

وتبقى البواقي فراخاً لها ولا تزال على هذا أبد الدهر ، ولذلك قال أشعب لابنه فيما يَروي عنه الأصمعي : يا بنيّ لِمَ لا تكون مثلي ؟ فقال أنا مثل الموز لا تصلح حتى تموت أمها ، ومن نبات الموز إلى أثمارها شهران وبين أطلاعها إلى أجرائها أربعون يوما ، والموز موجودٌ في أوطانه السنة كلّها ويكون في القنو من أقنائها ما بين ثلاثين موزة إلى خمسمائة موزة ، ورأيت عند بعض تجار الهند حصراً حسنة لطيفة موشاة ذات وجهين ألوانها أحسن الألوان وأصباغها زهر خالصة كأنها ألوان الحرير ، عرض الحصير منها نحو ذراعين ونصف وهو أسلة واحدة ليس فيه وصل فجعلت أعجب من طول الأسل الذي يسمى بمصر السمار ، فذكر لي أنه ليس به وإنما هو متَّخذٌ من ورق الموز الهندي بأن يؤخذ العسيب فيشقق ويجفف ثم يصبغ وينسج منه هذه الحصير ، ويباع الحصير منها في المعبر بدينارين وفيها ما يباع بدرهمين وأراني من كلا الصنفين . وأما المحمضات فيوجد بأرض مصر منها أصناف كثيرة لم أرها بالعراق ، من ذلك أترُجٌ كبار يعزُّ وجودُ مثله ببغداد ، ومن ذلك أترج حلوٌ ليس فيه حماض ، ومن ذلك الليمون المركب وهو أصناف أيضا ، ويوجد فيه ما هو بقدر البطيخة ومن ذلك الليمون المختم وهو أحمر شديد الحمرة أقنى حمرةً من النارنج شديد الاستدارة مفلطح من رأسه وأسفله مفضوخ فيها بختمين . ومن ذلك ليمون البلسم وهو في قدر الإبهام وكالبيضة المطلولة ، وفيه ما هو مخروطٌ صحيح يبتدئ من قاعدة وينتهي إلى نقطة ، وأما لونه وريحه وشحمه وحماضه فلا يغادر من الأترُج شيئا . وقد يوجد أترج في جوفه أترُجٌ بقشر أصفر أيضا ، وخبّرني صادقٌ أنه وجد في جوف أترجة سبع أترجاتٍ صغار كلّ واحدةٍ يحيطُ بها قشر تام والذي رأيته أنا أترجة في جوفها أترجة ليست تامة ، وقد رأيتُ منه شيئا بالغور وهذا الأترج المداخل إنما يكون في ذي الحماض ، ثمّ أنّ هذه الأنواع يركب بعضها على بعض فيتولد منها أصناف كثيرة جدا . ومن ذلك صنفٌ من التفاح يوجد بالإسكندرية ببستان واحدٍ يسمّى بستان القطعة وهو صغار جداً قاني الحمرة ، وأما رائحته فتفوق الوصف وتعلو على المِسك وهو قليل جدا . وأما القُرط فيسمّى بالعراق الرطبة وبالشام الفضة وبالفارسية أسفست .