محمد بن علي الشوكاني

4853

الفتح الرباني من فتاوى الإمام الشوكاني

الوصية لغير الوارث ، كما تناول الوصية للوارث ، فخرجت عنه الوصية للوارث بالحديث الآخر ، وهو أرجح منه سندا ومتنا ، على أنه يبعد أن يقال : أن الوصية للوارث ليست مما يوجب الزيادة في الحسنات ، لأنها ممنوعة بنص الشارع ، لما فيها من المجاوزة لحدود الله ، والتعدي لفرائضه ، والمخالفة لما شرعه الله ، فتعليله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ - لقوله : " إن الله قد تصدق عليكم بثلث أموالكم " فقوله : " زيادة في حسناتكم " تفيد اختصاص هذه الصدقة لما فيه زيادة في الحسنات ، ولا زيادة قد نفاها الشارع ، وقال : " لا وصية لوارث " بهذه الصيغة الشاملة المحيطة ، فهذا الحديث يرد دعوى من يدعي أن فيها زيادة في الحسنات ، ولو فرضنا عدم دليل يدل على أنه لا زيادة فيها في الحسنات لكان دعوى أن فيها زيادة في الحسنات مصادرة على المطلوب ، وهي باطلة . ولا شك أن البدر - رحمه الله - لو تنبه لهذا لقابله بالقبول ، فكيف يصح التعويل على هذا الحديث ! وقد عارضه ما هو أحق منه مطلقا ! على فرض دلالته على مخل النزاع ، وتناوله له ؛ فكيف إذا كان قد علل بعلة تفيد أنه لا يتناوله ، ومن جملة ما استدل به - رحمه الله - تقرير النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ - لسعد بن أبي وقاص لما قال أتصدق بكذا من مالي ( 1 ) .

--> ( 1 ) أخرجه البخاري في صحيحه رقم ( 1295 ) ومسلم رقم ( 5 / 1628 ) وأبو داود رقم ( 2864 ) والترمذي رقم ( 2116 ) والنسائي ( 6 / 241 - 242 ) وابن ماجة رقم ( 2708 ) وأحمد ( 1 / 179 ) والطيالسي ( 1 / 282 رقم 1433 - منحة المعبود ) ومالك ( 2 / 763 رقم 4 ) والدارمي ( 2 / 407 ) . قال القرطبي في " المفهم " ( 4 / 540 - 541 ) " اعلم أن الوصية في أول الإسلام كانت واجبة للوالدين والأقربين قبل نزول المواريث ، كما قال تعالى : { كتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت إن ترك خيرا الوصية للوالدين والأقربين بالمعروف حقا على المتقين } [ البقرة : 180 ] " . وهي بمجموع قرائنها نص في وجوب الوصية لمن ذكر فيها ، ثم إنها بعد ذلك نسخت ، واختلف في ناسخها . فقيل : آية المواريث . وفيه إشكال ، إذ لا تعارض بين أن يجمع بينهما ، فيكون للقرابة أخذ المال بالوصية عن المورث وبالميراث إن لم يوص . أو ما بقي بعد الوصية . لكن هذا قد منع الإجماع منه . وهو خلاف نص قوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " إن الله قد أعطى كل ذي حق حقه ، ألا لا وصية لوارث " فإذًا : آية المواريث لم تستقل بنسخ آية الوصية ، بل بضميمة أخرى ، وهي السنة المذكورة ، ولذلك قال بعض علمائنا : إن نسخ الوصية للقرابة إنما كان بالسنة المذكورة ، غير أنه يرد عليه : أن هذا نسخ القرآن بخبر الواحد . ويجاب عنه : إن ذلك قد كان معمولاً به في الصحابة ، كما قد حكاه الأصوليون في كتبهم . ولو سلمنا : أن ذلك لا يجوز ، فلم يكن ذلك الخبر آحادًا بل كان متواترًا ، فإن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ألقاه على أهل عرفة يوم عرفة وأخبرهم بنسخ ذلك بسنته وأهل عرفة عدد كثير ، وجم غفير ، لا يحيط بهم بلد ، ولا يحصرهم عدد ، فقد كان متواتر فنسخ المقطوع بالمقطوع . ونحن وإن كان هذا الخبر قد بلغنا آحادًا لكن قد انضم إليه إجماع المسلمين : أنه لا تجوز الوصية لوارث ، فقد ظهر : أن وجوب الوصية للأقربين منسوخ بالسنة ، وأنها مستند المجمعين غير أنه قد ذهب طائفة وهم : الحسن ، وقتادة ، والضحاك وطاووس : إلى أن وجوب الوصية ليس منسوخًا في حق جميع القرابة ، بل في حق الوارثين خاصة ، واختاره الطبري . قلت : أي - القرطبي - وعلى هذا : فلا يكون هذا نسخًا عند هؤلاء ، بل : تخصيصًا لعموم قوله تعالى : { والأقربين } بقوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " لا وصية لوارث " ، وهذا لا يحتاج فيه أن يكون قوله : " لا وصية لوارث " متواترًا ، لأنه يجوز تخصيص القرآن بالسنة غير المتواترة اتفاقًا من الأكثر وهو الصحيح على ما ذكرناه في الأصول .