محمد بن علي الشوكاني

4824

الفتح الرباني من فتاوى الإمام الشوكاني

التغليب ( 1 ) فإن قدح فيه تلميذنا أو صح ذلك . قال : ففيه ما أسلفنا من عدم بيان علة القياس ، ومسلكها إلى آخره . أقول : كان الأولى بالمقام الاستفسار عن ذلك ، حتى يورده مدعيه ، لا جعل عدم الذكر اعتراضا ، فليس كل مستدل بالقياس في مسألة من المسائل يذكر أركان القياس ، ويبين مسالك علته ، وليس مثل هذا مما يخفى على تلميذنا - عافاه الله - فلا نطول بذكره . قال : فيقال عليه : من ذا المراد من الخلفاء الراشدين هل جميعهم . . . إلخ . أقول : قد قدح تلميذنا - عافاه الله - في دلالة الحديث على الكل والبعض ، والمعين وغير المعين ، والمفرد والمتعدد ، ولعله لم يتصور أن هذا يستلزم [ 6 أ ] الاعتراض على الشارع ؛ لأن كلامه في هذا الحديث لا يصح حمله على معنى يصح الحمل عليه ، فلم يبق إلا رده عليه أو الحكم بأنه كذب ، أو أنه - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ - تكلم بما لا معنى له ، فاعتراض تلميذنا وتقسيمه للمراد بالحديث إلى تلك الأقسام وإبطاله لكل قسم منها قد استلزم هذا ، وإن لم يكن مرادا له - عافاه الله - وكان ينبغي حمله على الخلفاء الموجودين في الثلاثين السنة الكائنة بعد موته - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ - لقوله : " الخلافة من بعدي ثلاثون عاما ، ثم يكون ملكا عضوضا " ( 2 ) فإن هذا الحديث يرشد إلى خلافة الحق ، وإلى خلفاء الرشد المذكورين في الحديث ، ويعبر عن المراد به ، ولا ينفي وجود خلفاء آخرين لم يكونوا مرادين بالحديث ، فإذا ضم هذا إلى أن اللام الداخلة على الجمع تهدمه ، ويصير للجنس كما تقرر في علم البيان والأصول صار معنى الحديث في غاية الوضوح . وهذا عندي في معنى الحديث ما لا يتسع له البسط ، وإنما أوردته في تلك الرسالة تكميلا لاحتجاج من احتج بالقصة العمرية . وقد أهمل تلميذنا - كثر الله فوائده - الكلام على ما ذكرنا من القذف للرجل بأنه يلوط أو . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

--> ( 1 ) التغليب : هو إعطاء شيء حكم غيره ، وقيل : ترجيح أحد المغلوبين على الآخر ، وإطلاق لفظه عليهما وإجراء للمختلفين مجرى المتفقين . نحو : ( وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ ) [ التحريم : 12 ] . ( إِلَّا امْرَأَتَهُ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ ) [ الأعراف : 83 ] . والأصل من القانتات والغابرات ، فعدت الأنثى من المذكر بحكم التغليب . قال في البرهان : إنما كان التغليب من باب المجاز ؛ لأن اللفظ لم يستعمل فيما وضع له ، ألا ترى أن القانتين موضوع للذكور الموصوفين بهذا الوصف فإطلاقه على الذكور والإناث إطلاق على غير ما وضع له " معترك الأقران " ( 1 / 197 - 198 ) . ( 2 ) تقدم تخريجه في الرسالة ( 154 ) .