محمد بن علي الشوكاني

4818

الفتح الرباني من فتاوى الإمام الشوكاني

الجلال لم يقع موقعه ، ولا صادف محزه ( 1 ) ؛ لأنه جاء بالنقض ، ثم بشاهد النقض في موضع لا يصلح فيه إلا طلب تصحيح النقل ، فكان مجرد نقضه فاسدا وشاهده دعوى . قال : وكلامه على القياس ليس لإثباته . أقول : هكذا نقول إنه لم يحرر هذا البحث إلا لإبطال أدلة المستدلين على وجوب الحد على قاذف الرجل ، ولكنه ادعى لتلك الأدلة عللا وأسبابا لم يقل بها المستدل ، ولا يوجد في كتبه ، فإن كان كل من تكلم على دليل فقد بطل بمجرد كلامه لزم بطلان غالب الأدلة ، وإن كان الكلام الذي يوجب بطلان الدليل من منع ، أو نقض ، أو معارضة هو ما كان من ذلك جاريا على الوجه المعتبر فليس منه ما فعله الجلال ، فإنه زعم عدم صحة نقل الإجماع بمجرد قوله : لا يصح ، وزعم بطلان القياس بمجرد قوله : إن علة الحد دفع النقيصة ، فهل يبطل القياس بمجرد ذكره بهذه العلة ؟ إن قلتم : نعم ، لزم بطلان كل قياس يزعم الخصم أن له علة مدفوعة ، سواء كانت العلة في الواقع أو لا ، وحينئذ لا يعجز أحد عن دفع دليل القياس ؛ لأنه يعلله بعلة باطلة ، ويبطله بإبطالها ، وليس لأحد أن يقول له هذه العلة [ 3 أ ] التي ذكرت ليست العلة التي قصدها الشارع ، فإن قال قائل بذلك قلنا له : بل هي العلة كما زعم خصمك شئت أم أبيت ، فقد بطل قياسك ببطلانها ، وهذا الصنيع ليس من العلم في شيء . وإن قلتم : لا يقبل القدح في استدلال من استدل بالقياس بالقدح في علته بكونها كذا وكذا ، أو كذا إلا إذا كانت تلك العلة المقدوح فيها هي العلة في زعم المستدل . فنقول : هذا صحيح ، ولكن ما زعمه الجلال من أن العلة في حد القذف لم يقل به أحد ، ولا وقفنا عليه في شيء مما قد وقفنا عليه ، فكيف يلزم المستدل بذلك القياس أن يتحملوا ما حملهم الجلال حتى يبطل قياسهم بمجرد ما جاء به من عند نفسه من العلة !

--> ( 1 ) غير مقروءة في المخطوط .