محمد بن علي الشوكاني

4814

الفتح الرباني من فتاوى الإمام الشوكاني

لا مجرد عدم حجيته ، فإن الاقتصار على نفي الحجية إنما يكون بعد إثبات أصل ما زعمه الخصم دليلا ، ثم بعد هذا كله نسأل تلميذنا - كثر الله فوائده - بم يفسر قولي هكذا في نفسي من كون هذا البحث من كلام تلميذنا شيء ؟ هل بمجرد الشك ؟ أم بزيادة عليه ؟ فقد يكون الواقع في النفس تجد شيئا منتهيا إلى ما هو قريب العلم ، كما روي أن كثير [ 1 أ ] كان يهاجي المرئي ( 1 ) ، فبعث إليه بقصيدة قد أعانه جرير بثلاث أبيات فيها هي : يعد الناسبون إلى تميم . . . بيوت المجد أربعة كبارا يعدون الرباب وآل سعد . . . وعمرا ثم حنظلة الخيارا ويذهب بينها المرئي لغوا . . . كما ألغيت في الدية الخوارا فلما وصل رواية كثير عند إنشاده القصيدة إلى هذه الثلاثة الأبيات قام المرئي ( 2 ) يصرخ ويلطم وجهه ، ويقول : ما لي ولجرير ! فقالوا له : سمنت عينك ، وأين منك جرير ؟ هذا شعر كثير ، وهذه روايته ؟ فقال : هيهات ، والله لا يقول كثير هذا .

--> ( 1 ) قال صاحب الأغاني ( 18 / 272 - 273 ) : لقي ذو الرمة جريرا فقال له : تعصبت على خالك للمرئي ، فقال جرير : حيث فعلت ماذا ؟ حين تقول للمرئي كذا وكذا ، فقال جرير : لأنك ألهاك البكاء في دار مية حتى استقبحته محارمك . فقال ذو الرمة : لا ، ولكن اتهمتني بالميل مع الفرزدق عليك ، قال : كذلك هو ، قال : فوالله ما فعلت ، حلف له بما يرضيه ، قال : فأنشدني ما هجوت به المرئي ، فأنشده قوله : نبت عيناك عن طلل بحزوى . . . عفته الريح وامتضح القطارا فأطال جدا ، فقال له جرير : ما صنعت شيئا ، أفأرفدك ؟ قال : نعم قل ، فأنشد هذه الأبيات ، فمر ذو الرمة بالفرزدق فقال له : أنشدني أحدث ما قلت في المرئي ، فأنشده هذه الأبيات ، فقال الفرزدق : كذبت وأيم الله ، ما هذا لك ، ولقد قاله أشد لحيين منك ، وما هذا إلا شعر ابن الأتان - يعني جريرا - . " الأغاني " ( 18 / 272 - 273 ) . ( 2 ) انظر " الأغاني " ( 18 / 274 ) .