محمد بن علي الشوكاني
5255
الفتح الرباني من فتاوى الإمام الشوكاني
وقال القرطبي ( 1 ) من المالكية : الحق في هذه المسألة التفصيل ، فمن قال : إن أدله الإجماع ظنية فلا شك في نفي التكفير ، لأن المسائل الظنية اجتهادية ، ولا تكفير فيها بالاتفاق ، ومن قال أنها قطعية فهؤلاء هم المختلفون في تكفيره ، والصواب أنه لا يكفر ، وإن قلنا أن تلك الأدلة قطعية متواترة ، لأن هذا لا يعم كل أحد بخلاف من جحد سائر المتواترات ، والتوقف عن التكفير أولى من الهجوم عليه ؛ فقد قال صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ : " من قال لأخيه يا كافر فقد باءها بها أحدهما ، فإن كان كما قال ، وإلا حار عليه " ( 2 ) انتهى . وقال ابن دقيق العيد : من قال أن دليل الإجماع ظني فلا سبيل إلى تكفير مخالفه كسائر الظنيات ، وأما من قال أن دليله قطعي فالحكم المخالف له إما أن يكون طريق ثبوته قطعيًا أو ظنيًا ، فإن كان ظنيًا فلا سبيل إلى التفكير به . وإن كان قطعيًا فقد اختلف فيه ، ولا يتوجب الاختلاف فيما تواتر من ذلك عن صاحب الشرع بالنقل ، فإنه يكون تكذيبًا موجبًا للكفر بالضرورة ، وإنما يتوجه الخلاف فيما حصل فيه الإجماع بطريق قطعي ، أعني أنه ثبت وجود الإجماع به ، ولم ينقل الحكم بالتواتر عن صاحب الشرع ( 3 ) . فتلخص أن مسائل الإجماع تارة يصحبها التواتر بالنقل عن صاحب الشرع ، فيكون ذلك تكذيبًا موجبًا للكفر بالضرورة ، وإنما يتوجه الخلاف فيما حصل فيه الإجماع بطريق قطعي ( 4 ) ، أعني أنه ثبت وجود الإجماع به ولم ينقل الحكم بالتواتر عن صاحب
--> ( 1 ) انظر : " الكوكب المنير " ( 2 / 259 ) ( 2 ) تقدم تخريجه مرارًا ( 3 ) انظر : " إرشاد الفحول " ( ص 280 - 281 ) ( 4 ) ومعنى كونه " حجة قاطعة " بالشرع - أي بدليل كونه حجة قاطعة . أي يقدم على باقي الأدلة . وليس قاطع هنا بمعنى الجازم الذي لا يحتمل النقيض ، وإلا لما اختلف في تكفير منكر حكمه وهذا مذهب الأئمة الأعلام منهم الأئمة الأربعة وأتباعهم وغيرهم من المتكلمين . " تيسير التحرير " ( 3 / 227 ) ، " الكوكب المنير " ( 2 / 215 ) .