محمد بن علي الشوكاني
5248
الفتح الرباني من فتاوى الإمام الشوكاني
الأحمال الثقال ، وتستقصر المسافات الطوال ، كما ذلك معلوم من حال الإبل [ 10 ] عند سماع الحادي المجيد ، وربما أفضى ذلك إلى تلفها ، وأيضًا لو سلم أن السماع بمجرده ليفضي إلى الشراب في حق قريب العهد به ، فإنما يحرم استعمالها في حق من كان كذلك ، أما من لم يكن قد شربه أصلا إذا كان قد شربه ، ثم تاب وحسنت توبته ، وطالت مدته فلا تشمله العلة ، وهذا هو الجواب عن الدليل الثاني . والجواب عن الثالث المنع عن من كون ذلك شعارًا مختصًا بأهل الفسوق ، لأن غيرهم من أهل العفة والنزاهة ، قديمًا وحديثًا ، يقع منهم الاجتماع على السماع كما قدمنا حكاية ذلك عن جماعة من الصحابة والتابعين ، فمن بعدهم . وقد استدل المجوزون على ما ذهبوا إليه بأدلة منها قوله تعالى : { ويحل لهم الطيبات ويحرم } ( 1 ) ووجه التمسك أن الطيبات جمع محلى باللام فيشمل كل طيب ، والطيب يطلق بإزاء المستلذ وهو الأكثر المتبادر إلى الفهم عند التجرد عن القرائن ، ويطلق بإزاء الظاهر والحلال ، وصيغة العموم كلية تتناول كل فرد من أفراد المعاني الثلاثة كلها ، ولو قصرنا العام على بعض أفراده لكان قصره على المتبادر هو الظاهر . وقد صرح ابن عبد السلام في دلائل الأحكام أن المراد في الآية بالطيبات المستلذات . ومن الأدلة قوله تعالى : { وقد فصل لكم ما حرم عليكم } ( 2 ) وقال : { لتبين الناس ما نزل إليهم } ( 3 ) قالوا : ولم يرد نص من كتاب فيه تفصيل تحريمه ، ولا سنة صحيحة ، كما سبق ذلك عن حكاية جماعة من العلماء . ومن الأدلة التي ذكروها الإجماع على تحليل السماع ( 4 ) مطلقًا . قالوا : وذلك لأنه
--> ( 1 ) [ الأعرف : 157 ] ( 2 ) [ الأنعام : 119 ] ( 3 ) [ النمل : 44 ] . ( 4 ) تقدم التمييز بن الاستماع والسماع من كلام ابن تيمية .