محمد بن علي الشوكاني
5239
الفتح الرباني من فتاوى الإمام الشوكاني
وقد أجاب المجوزون للغناء عن هذه الأحاديث فقال الأدفوي في الإمتاع ( 1 ) وقد ضعف هذه الأحاديث الواردة في هذا الباب جماعة من الظاهرية ، والمالكية ، والحنابلة ، والشافعية [ 8 ] . ولم يحتج بها الأئمة الأربعة . ولا داود ولا سفيان ، وهم رؤوس المجتهدين ، وأصحاب المذاهب المتبعة . وقد ذكر أبو بكر بن العربي في كتابه الأحكام ( 2 ) الأحاديث في ذلك ، وضعفها وقال : لم يصح ( 3 ) في التحريم شيء يعني من جميع الأحاديث
--> ( 1 ) انظر كتاب : " السماع " لابن طاهر ( ص 41 ) . ( 2 ) ( 3 / 1493 - 1494 ) . ( 3 ) قال المحدث الألباني في " تحريم آلات الطرب " ( ص 80 ) : سبق أن رددت على ابن حزم وغيره من الطاعنين في الأحاديث الصحيحة في المقدمة ، وفي أثناء تخريج الأحاديث الستة الصحيحة المتقدمة والذي أريد بيانه الآن . أن أحاديث التحريم بالنسبة لابن حزم ونظرتنا إليها تنقسم إلى ثلاثة أقسام : الأول : ما ضعفه منها ، وهو مخطئ . الثاني : ما لم يقف عليه منها ، أو وقف على بعض طرقها دون بعض ولو وقف عليها وثبتت عنده لأخذ بها ، فهو معذور - خلافًا لمقلديه ولا سيما ، وقد عقب على ضعف منها بقوله حالف غير حانث إن شاء الله . " المحلى " ( 9 / 59 ) . " والله لو أسند جميعه ، أو واحد منه فأكثر من طريق الثقات إلى رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لما ترددنا في الأخذ به " . هذا الذي نظنه فيه ، والله حسيبه ، وأما المقلدون له بعد أن قامت عليهم الحجة وتبينت لهم المحجة ، فلا عذر لهم ولا كرامة ، بل مثلهم كمثل ناس في الجاهلية كانوا يعبدون الجن ، فأسلم هؤلاء ، واستمر أولئك في عبادتهم وضلالهم كما قال تعالى : { أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ربهم الوسيلة أيهم أقرب ويرجون رحمته ويخافون عذابه إن عذاب ربك كان محذورًا } . الثالث : ما ضعفه منها ، ولم يبد لنا اعتراض عليه ، فلا شأن لنا به . فسيكون ردي عليه إذن في القسم الأول والثاني فأقول وبالله التوفيق : القسم الأول : انتقد ابن حزم - الحديث الذي أخرجه البخاري معلقًا - تقدم توضيحه - وهو حديث صحيح . قد صححه : البخاري ، ابن الصرح ، ابن القيم ، ابن حبان ، النووي ، ابن كثير ، السخاوي ، الإسماعيلي ، ابن تيمية ، العسقلاني ، ابن الأمير الصنعاني ، ابن الوزير الصنعاني . وانتقد أيضًا ابن حزم الحديث الصحيح . عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " إن الله حرم علي - أو حرم - الخمر والميسر والكوبة ، وكل مسكر حرام " . رواه عنه قيس بن حبتر النهشلي وله عنه طريقان : الأولى : عن علي بن بذيمة : حدثني قيس بن حبتر النهشلي عنه . أخرجه أبو داود رقم ( 3696 ) والبيهقي ( 10 / 221 ) وأحمد ( 1 / 274 ) وفي " الأشربة " رقم ( 193 ) وأبو يعلى في مسنده رقم ( 2729 ) وعنه ابن حبان في صحيحه رقم ( 5365 ) والطبراني في " المعجم الكبير " ( 12 / 101 - 102 رقم 12598 ، 12599 ) من طريق سفيان عن علي بن بذيمة ، قال سفيان : قلت لعلي بن بذيمة : " ما الكوبة ؟ قال : الطبل " . الثانية : عن عبد الكريم الجزري عن قيس بن حبتر بلفظ : " إن الله حرم عليهم الخمر ، والميسر ، والكوبة - وهو الطبل - وقال : كل مسكر حرام " . أخرجه أحمد ( 1 / 289 ) وفي " الأشربة " رقم ( 14 ) والطبراني رقم ( 12601 ) والبيهقي ( 10 / 213 ) . قال الألباني في " تحريم آلات الطرب " ( ص 56 ) : هذا إسناد صحيح من طريقه عن قيس هذا ، وقد وثقه أبو زرعة ، ويعقوب في " المعرفة " ( 3 / 194 ) وابن حبان في " الثقات " ( 5 / 308 ) والنسائي والحافظ في " التقريب " واقتصر الذهبي في " الكاشف " على ذكر توثيق النسائي . وأقره . وصححه الشيخ أحمد شاكر في تعليقه على " المسند " في الموضعين ( 4 / 158 ، 218 ) . أعله ابن حزم بجهالة تابعيه ( قيس بن حبتر النهشلي ) وهذا من ضيق عطنه وقلة معرفته ، فقد وثقه جمع من المتقدمين والمتأخرين . قال الحافظ بن حجر في " التهذيب " ( 3 / 446 ) وقال ابن حزم : مجهول وهو نهشلي من بني تميم . القسم الثاني : وهو ما لم يقف عليه منها أو وقف على بعض طرقها دون البعض . ( منها ) حديث أنس بن مالك رضي الله عنه قال : قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " صوتان ملعونان في الدنيا والآخرة ، مزمار عند نعمة ، ورنة عند مصيبة " . تقدم تخريجه وهو حديث صحيح . وله شاهد من حديث جابر بن عبد الله عن عبد الرحمن بن عوف قال : قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " إني لم أنه عن البكاء ، ولكني نهيت عن صوتين أحمقين فاجرين : صوت عند نعمة - لهو ولعب - ومزامير الشيطان ، وصوت عند مصيبة ولطم وجوه ، وشق جيوب ورنة شيطان " . تقدم تخريجه . وهو حديث حسن لغيره . قال ابن حزم في " المحلى " ( 9 / 57 - 58 ) وفي رسالته ( ص 97 ) : " لا يدرى من رواه " ؟ ! . فهذا دليل على صحة قول الحافظ ابن عبد الهادي في ابن حزم : " وهو كثير الوهم في الكلام على تصحيح الحديث وتضعيفه وعلى أحوال الرواة " . انظر : " تحريم آلات الطرب " ( ص 54 ، 90 ) . ومنها أحاديث لم يذكرها : 1 - ما أخرجه البيهقي ( 10 / 222 ) بإسناد حسن رجاله ثقات عن قيس بن سعد رضي الله عنه وكان صاحب راية النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال ذلك - يعني حديث مولى ابن عمرو المتقدم - قال : " والغبيراء ، وكل مسكر حرام " . 2 - وأخرج الترمذي في " السنن " رقم ( 2213 ) من طرق عن عبد الله بن عبد القدوس ، عن الأعمش ، عن هلال بن يساف ، عن عمران بن حصين ، أن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال : " في هذه الأمة خسف ، ومسخ ، وقذف " فقال رجل من المسلمين : يا رسول الله ! ومتى ذاك ؟ قال : " إذا ظهرت القينات والمعازف . وشربت الخمور " . وهو حديث حسن . انظر : " الصحيحة " رقم ( 1604 ) .