محمد بن علي الشوكاني
5217
الفتح الرباني من فتاوى الإمام الشوكاني
فلا يحمل أحد معنييه إلا بقرينة ، وإما أن يكون حقيقة [ 3 ] في أحدها ، ولا نعرفه فيكون مجملاً ، وعلى فرض صحة حمل المعازف على التفسير الدال على مدعى المحرمين ، وهو آلات اللهو ، أو أصوات الملاهي ، فلا شك أن ذلك يعم الدف والمزمار الذي هو الشبابة ، وهم يخصصون ذلك من عموم آلات اللهو أو أكثرها . وقد ذهب قوم من أهل الأصول إلى أن العام بعد التخصيص يصير مجملاً في الباقي ، فلا يحتج به إلا بدليل ( 1 ) ، وعند آخرين منهم يكون مجازًا فيه ( 2 ) ، وعند آخرين لا يكون حجة ( 3 ) ، ولا ينكر أحد أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ - قرر الضرب بالدف ، وسمعه ولم ينكره ، كما في صحيح البخاري ( 4 ) وغيره ، ولعله يأتي بيانه ، ويحتمل أن تكون المعازف المنصوص على تحريمها هي المقترنة بشرب الخمر كما ثبت في رواية ( 5 ) بلفظ : " ليشربن أناس من أمتي الخمر ، تروح عليهم القيان وتغدو عليهم المعازف " ويحتمل أن يكون المراد يستحلون ( 6 ) مجموع الأمور المذكورة ، فلا يدل على تحريم واحد منها على
--> ( 1 ) انظر : " إرشاد الفحول " ( ص 468 ) ، " البحر المحيط " ( 3 / 270 ) . ( 2 ) قال الشوكاني في " إرشاد الفحول " ( ص 462 - 463 ) : اختلفوا في العام إذا خص هل يكون حقيقة في الباقي أم مجازًا ؟ فذهب الأكثرون إلى أنه مجاز في الباقي مطلقًا سواء كان ذلك التخصيص بمتصل أو منفصل ، وسواء كان بلفظ أو بغيره ، واختاره البيضاوي وابن الحاجب والصفي الهندي ، قال ابن برهان في " الأوسط " : وهو المذهب الصحيح . وانظر مزيد تفصيل : " التبصرة " ( ص 122 ) ، " مختصر ابن الحاجب " ( 2 / 106 ) ( 3 ) انظر : " إرشاد الفحول " ( ص 466 - 468 ) و " البحر المحيط " ( 3 / 269 ) ، " التبصرة " ( ص 187 ) . ( 4 ) تقدم تخريجه ( 5 ) أخرجه ابن ماجة رقم ( 4020 ) وأبو داود رقم ( 3688 ) والبخاري في تاريخه ( 1 / 1 \ 305 ) و ( 4 / 1 \ 222 ) وابن حبان رقم ( 1384 ) والبيهقي في " السنن الكبرى " ( 8 / 295 ) وأحمد في " مسنده " ( 5 / 342 ) والطبراني في " المعجم الكبير " ( 1 / 167 \ 2 ) . وهو حديث صحيح ( 6 ) قال ابن تيمية في كتاب " إبطال التحليل " ( ص 20 - 21 ) : " لعل الاستحلال المذكور في الحديث إنما هو بالتأويلات الفاسدة ، فإنهم لو استحلوها مع اعتقاد أن الرسول صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حرمها كانوا كفارًا . ولم يكونوا من أمته ، ولو كانوا معترفين بأنها حرام لأوشك أن لا يعاقبوا بالمسخ كسائر الذين لم يزالوا يفعلون هذه المعاصي ، ولما قيل فيهم : " يستحلون " فإن المستحل للشيء هو الذي يأخذه معتقدًا حله . فيشبه أن يكون استحلالهم الخمر ، يعني أنهم يسمونها بغير اسمها كما في الحديث ، فيشربون الأشربة المحرمة ، ولا يسمونها خمرًا ، واستحلالهم المعازف باعتقادهم أن آلات اللهو مجرد سمع صوت فيه لذة ، وهذا لا يحرم كألحان الطيور ، واستحلال الحرير وسائر أنواعه باعتقادهم أنه حلال للمقاتلة ، وقد سمعوا أنه مباح لبسه عند القتال عند كثير من العلماء فقاسوا سائر أحوالهم على تلك ! وهذه التأويلات واقعة في الطوائف الثلاثة التي قال فيها ابن المبارك رحمه الله تعالى : وهل أفسد الدين إلا الملوك . . . وأحبار سوء ورهبانها ومعلوم أنها لا تغني عن أصحابها من الله شيئًا بعد أن بلغ الرسول صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وبين تحريم هذه الأشياء بيانا قاطعًا للعذر ، كما هو معروف في مواضعه . وقال ابن القيم في " إغاثة اللهفان " ( 1 / 371 - 372 ) . " أن المعازف هي آلات اللهو كلها ، لا خلاف بين أهل اللغة في ذلك . ولو كانت حلالاً لما ذمهم على استحلالها ، ولما قرن استحلالها باستحلال الخمر والحر .