محمد بن علي الشوكاني

5210

الفتح الرباني من فتاوى الإمام الشوكاني

صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ سمع حرامًا ، وما منع عن سماع حرام ، واعتقد ذلك ، فقد كفر بالاتفاق . وساق الأدلة فيه هذا المساق . هذه صورة الخلاف في السماع من آلة من آلات اللهو . وسيأتي ذكر الخلاف في مجرد السماع للغناء بلا آلة ، أو مع الدف ، ولنبدأ بذكر الأدلة التي استدل بها المختلفون في السماع مع آلة . فنقول : قال المجوزون : إنه ليس في كتاب الله ، ولا في سنة رسوله ، ولا في معقولهما - من القياس والاستدلال ، ما يقتضي تحريم مجرد سماع الأصوات الطيبة الموزونة ، مع آلة من آلات اللهو . وقد استدل القائلون بالتحريم وهم الجمهور بأدلة منها : ما أخرجه البخاري ( 1 ) من حديث أبي عامر ، وأبي مالك الأشعري أنه سمع رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ - يقول : " ليكونن أقوام من أمتي يستحلون الحر ، والحرير ، والخمر ، والمعازف " قالوا : والمعازف : هي آلات اللهو ، فيدخل فيها العود والمزمار وغيرهما . وأجاب المجوزون عن هذا الحديث بأجوبة منها : أنه قد أعله جماعة من الحفاظ من وجوه : أحدها : الانقطاع ( 2 ) ؛ فإن البخاري إنما علقه عن شيخه هشام بن عمار فقال في

--> ( 1 ) في صحيحه رقم ( 10 / 51 رقم 5590 ) بصيغة الجزم . ( 2 ) قال الحافظ محمد بن حزم في " رسالة الملاهي " ( ص 434 ) - مجموعة رسائله - : " وأما حديث البخاري فلم يورده البخاري مسندًا ، وإنما قال فيه : قال هشام بن عمار " . وقال في " المحلى " ( 9 / 59 ) : هذا منقطع ، لم يتصل ما بين البخاري وصدقة بن خالد . والمترجح أن الحديث صحيح متصل على شرط البخاري وذلك من وجوه : 1 - أن هشام بن عمار من شيوخ البخاري ، لقيه ، وسمع منه ، خرج عنه في الصحيح حديثين غير هذا محتجًا به ، كما أفاد الحافظ ابن حجر في " هدي الساري " ( ص 448 - 449 ) يقول فيهما : " حدثنا هشام بن عمار . . . " من غير واسطة . أ - الأول في البيوع ( 4 / 308 ) . ب - الثاني في " فضائل الصحابة " باب فضل أبي بكر ( 7 / 18 ) . 2 - أن قول الراوي : قال فلان بمنزلة قوله " عن فلان " في كونها صيغة محتمة السماع ، وإن كان قائلها غير موصوف بالتدليس كانت محمولة على الاتصال على الصحيح الذي عليه الجمهور إن ثبتت المعاصرة كما هو شرط مسلم واللقاء كما شرط البخاري . ولقد تحقق هنا شرط البخاري . وهو ثبوت اللقاء . كما بين في الوجه الأول . 3 - أنه وقع استعمال البخاري لهذه الصيغة ( قال فلان ) كثيرًا جدًا عن شيوخه في الأسانيد المتصلة ، وذلك في " تاريخه الكبير " وهذا وإن لم يعهد منه في " الصحيح " إلا أنه ممكن الوقوع . لا سيما وأنه ليس عندنا تنصيص من البخاري نفسه على تجنب مثل هذا في " الصحيح " ، يؤكده قول من قال : " إن البخاري إذا قال في صحيحه " قال فلان " ولم يصرح بروايته عنه وكان قد سمع منه فإنه يكون قد أخذ عنه عرضًا أو مناولة أو مذاكرة . وقد ورد الحديث موصولاً من طرق عن هشام بن عمار في غير الصحيح . أخرجه الحسن بن سفيان في " مسنده " و " أبو بكر الإسماعيلي " في " المستخرج " وأبو ذر الهروي على " الصحيح " وابن حبان في صحيحه رقم ( 6754 ) والطبراني في " الكبير " ( 3 / 319 رقم 3417 ) . ودعلج في " مسند المقلين [ ق 1 - 2 / 1 ] قالا : حدثنا موسى بن سهل الجوني البصري : ثنا هشام بن عمار به مثل رواية البخاري ، ومن طريق الطبراني رواه الضياء المقدسي في " موافقات هشام بن عمار " ( ق 37 / 1 - 2 ) . كما في " تحريم آلات الطرب " للمحدث الألباني ( ص 40 ) رحمه الله . - قال الطبراني في " مسند الشاميين " ( 1 / 334 ، 588 ) : حدثنا محمد بن يزيد بن ( الأصل : عن ) عبد الصمد الدمشقي . ثنا هشام بن عمار به . ومحمد بن يزيد هذا مترجم له في " تاريخ دمشق " للحافظ ابن عساكر ( 16 / 124 ) برواية الجماعة عنه . توفي سنة 269 ه - . - وقال الإسماعيلي في " المستخرج على الصحيح " ومن طريقه البيهقي في " السنن الكبرى " ( 10 / 221 ) حدثنا سفيان : حدثنا هشام بن عمار به . والحسن بن سفيان - هو الخراساني النيسابوري حافظ ثبت من شيوخ ابن خزيمة وابن حبان وغيرهما من الحفاظ - مترجم له في " السير " ( 14 / 157 - 162 ) . انظر : " هدي الساري " ( ص 59 ) و " تغليق التعليق " ( 5 / 18 ) . وهناك أربعة آخرون سمعوه من هشام ، خرجهم الحافظ في " تغليق التعليق " ( 5 / 17 - 19 ) والذهبي عن بعضهم في " السير " ( 21 / 157 ) ( 7 / 23 ) . ثم إن هشامًا لم يتفرد به لا هو ولا شيخه ( صدقة بن خالد ) ، بل إنهما قد توبعا ، فقال أبو داود في " السنن " رقم ( 4039 ) : حدثنا عبد الوهاب بن نجدة ، حدثنا بشر بن بكر ، عن عبد الرحمن بن يزيد بن جابر بإسناده المتقدم على أبي عامر أو أبي مالك مرفوعًا بلفظ : " ليكونن من أمتي أقوامًا يستحلون الحر والحرير - وذكر كلامًا قال يمسخ منهم آخرون قردة وخنازير إلى يوم القيامة " . قال ابن القيم في " إغاثة اللهفان " ( 1 / 260 ) وهذا إسناد صحيح متصل تبعًا لشيخه في " إبطال التحليل " ( ص 23 ) ، لكن ليس فيه التصريح بموضع الشاهد منه ، وإنما أشار إليه بقوله : " ذكر كلامًا " وقد جاء مصرحًا به في رواية ثقتين آخرين من الحفاظ ، وهو عبد الرحمن بن إبراهيم الملقب ب‍ ( دحيم ) . قال : ثنا بشر بلفظ البخاري المتقدم . " يستحلون الحر والحرير والخمر والمعازف . . . " . أخرجه أبو بكر الإسماعيلي في " المستخرج على الصحيح " كما في " الفتح " ( 10 / 56 ) و " التغليق " ( 5 / 19 ) ومن طريق الإسماعيلي البيهقي في " السنن الكبرى " ( 3 / 272 ) والآخر ( عيسى بن أحمد العسقلاني ) قال : نا بشر بن بكر به إلا أنه قال : " الخز " بالمعجمتين ، والراجح بالمهملتين كما في رواية البخاري وغيره . انظر : " فتح الباري " ( 10 / 55 ) . وأخرجه ابن عساكر في " تاريخ دمشق " ( 19 / 156 ) من طريق الحافظ أبي سعيد الهيثم بن كليب الشاشي : نا عيسى بن أحمد العسقلاني به مطولاً . قال المحدث الألباني في " تحريم آلات الطرب " ( ص 43 ) : وهذه الطريق مما فات الحافظ فلم يذكره في " الفتح " بل ولا في " الغليق " . وقال الحافظ أبو عمرو بن الصلاح في " علوم الحديث " ( ص 61 - 62 ) : " ولا التفات إلى أبي محمد بن حزم الظاهري الحافظ في رده على ما أخرجه البخاري من حديث أبي عامر أو أبي مالك الأشعري . . . من جهة أن البخاري أورده قائلاً فيه : قال هشام بن عمار ، وساقه بإسناده ، فزعم ابن حزم أنه منقطع فيما بين البخاري وهشام ، وجعله جوابًا عن الاحتجاج به على تحريم المعازف ، وأخطأ في ذلك من وجوه ، والحديث صحيح معروف الاتصال بشرط الصحيح . وقال الحافظ ابن حجر في " تغليق التعليق " ( 5 / 22 ) " هذا حديث صحيح ، لا علة له ولا مطعن ، وقد أعله أبو محمد بن حزم بالانقطاع بين البخاري وصدقة بن خالد وبالاختلاف في اسم أبي مالك ، وهذا كما تراه قد سقته من رواية تسعة عن هشام متصلاً فيهم ، مثل الحسن بن سفيان ، وعبدان ، وجعفر الفريابي وهؤلاء حفاظ أثبات " . وقال الحافظ ابن رجب في " نزهة الأسماع " ( ص 44 ) : " هكذا ذكره البخاري في صحيحه بصيغة التعليق المجزوم به ، والأقرب أنه مسند فإن هشام بن عمار أحد شيوخ البخاري ، وقد قيل : إن البخاري إذا قال في صحيحه : قال فلان ، ولم يصرح بروايته عنه ، وكان قد سمع منه ، فإنه يكون قد أخذه عنه عرضًا ، أو مناولة ، أو مذاكرة ، وهذا كله لا يخرجه عن أن يكون مسندًا ، والله أعلم . ثم ذكر وصله عند البيهقي إلى هشام ، وقال : فالحديث صحيح ، محفوظ عن هشام بن عمار " .