محمد بن علي الشوكاني

5205

الفتح الرباني من فتاوى الإمام الشوكاني

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله ، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وسلم . ذهب أهل المدينة ، ومن وافقهم من علماء الظاهر ( 1 ) ، وجماعة من الصوفية ( 2 ) إلى الترخيص في السماع ، ولو مع العود واليراع ( 3 ) . وقد حكى الأستاذ أبو منصور البغدادي الشافعي في مؤلفه في السماع أن عبد الله بن جعفر ( 4 ) رضي الله عنه كان لا يرى بالغناء بأسًا ( 5 ) ، ويصوغ الألحان لجواريه ، ويسمعها منهن على أوتاره ، وكان ذلك في زمن أمير المؤمنين علي - كرم الله وجهه - . وحكى الأستاذ المذكور أيضًا مثل ذلك عن القاضي شريح ، وسعيد بن المسيب ، وعطاء بن أبي رباح ، والزهري ، والشعبي ، وقال إمام الحرمين في النهاية ، وابن أبي الدم :

--> ( 1 ) انظر : " المحلي " ( 9 / 59 ) ( 2 ) انظر : " إحياء علوم الدين " للغزالي ( 5 / 261 ) ، " الرسالة القشيرية " ( 2 / 645 ) ( 3 ) اليراع : بفتح التحتية وتخفيف الراء بالمهملة ، جمع يراعة ، أو اسم جنس واحدة يراعه . انظر : " كف الرعاع " لابن حجر الهيثمي ( ص 121 ) . قال الجوهري في " الصحاح " ( 3 / 1310 ) : اليراع القصب ، واليراعة القصبة إذا علمت ذلك علمت أن اليراع متعدد . ( 4 ) عبد الله بن جعفر بن أبي طالب القرشي يكنى أبا جعفر ، ولدته أمه أسماء بنت عميس بأرض الحبشة وهو أول مولود في الإسلام بأرض الحبشة وقدم مع أبيه المدينة ، وحفظ عن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وروى عنه . توفي سنة ثمانين وهو ابن تسعين . انظر : " الاستيعاب " رقم ( 1506 ) ، " الإصابة " رقم ( 4609 ) . " سير أعلام النبلاء " ( 3 / 459 ) . ( 5 ) قال القرطبي في " الاستيعاب " ( 3 / 17 ) كان عبد الله بن جعفر كريمًا ، جوادًا ظريفًا ، خليقًا عفيفًا سخيًا يسمى بحر الجود ويقال : إنه لم يكن في الإسلام أسخى منه ، وكان لا يرى بسماع الغناء بأسًا . روي أن عبد الله بن جعفر كان إذا قدم على معاوية أنزله له داره ، وأظهر له من بره وإكرامه ما يستحقه ، فكان ذلك يغيظ فاختة بنت قرظ بن عبد عمرو بن نوفل بن عبد مناف زوجة معاوية ، فسمعت غناء عند عبد الله بن جعفر ، فجاءت إلى معاوية ، وقالت : هلم فاسمع ما في منزل هذا الرجل الذي جعلته بين لحمك ودمك ، قال : فجاء معاوية فسمع وانصرف ، فلما كان آخر الليل سمع معاوية قراءة عبد الله بن جعفر ، فجاء فأنبه فاختة فقال : اسمعي مكان ما أسمعتني .