محمد بن علي الشوكاني

5184

الفتح الرباني من فتاوى الإمام الشوكاني

مندوب ، أو فعل مكروه كراهة تنزيه ، أو فعل مباح أو تركه ، فلم يبق إلا فعل المحرم أو ترك الواجب . وتصوير الصور من فعل المحرم ، فكان التصوير محرمًا . المسألة الثالثة : قوله - كثر الله فوائده - : وبعد الحمل على أحدهما ، فهل النهي عن تصوير بعض الأشياء دون بعض أو لا ؟ . وأقول : قد قدمنا ما يدل على أن ذلك مختص بتصوير الحيوانات فقط ، فمن ذلك قوله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ - في حديث ابن عباس المتفق عليه ( 1 ) " فإن كنت لا

--> ( 1 ) تقدم تخريجه . فائدة رقم ( 1 ) : 1 - معنى التصوير لغة : الصور جمع صورة وتجمع على تصاوير وهي بكسر الصاد وضمها وقيل أنها مثلثة الصاد . وهي الشكل ، والخط والرسم . " اللسان " ( 2 / 492 ) ، " القاموس " ( ص 373 ) . والتصوير يطلق على التخطيط ، والتشكيل يقال : صوره ، إذا جعل له صورة ، وشكلاً ، أو نقشًا معينًا ، وهذا الاستعمال والإطلاق عام في الصورة المجسمة وغيرها ، فالكل يطلق عليه صورة من حيث الاستعمال اللغوي . " معجم الفقهاء " ( ص 278 ) . وجاء في " معجم الفقهاء " ( ص 278 ) : الصورة " شكل مخلوق من مخلوقات الله تعالى مجسمة كانت كالصنم ، أو غير مجسمة " . معنى التصوير في الاصطلاح : بما أن التصوير ليس نوعًا واحدًا ، بل هو جنس يشمل أنواع ثلاثة ، كل نوع يختلف عن غيره من حيث الوسيلة ومن حيث المادة التي تصنع منها الصورة ، ومن حيث الكيفية ، وبسبب هذا الاختلاف لا يمكن جمع هذه الأنواع في تعريف واحد من حيث الاصطلاح الفقهي وذلك لأن التصوير منه المجسم ، والمسطح ، والقديم ، والحديث مع الاختلاف في وسائل كل نوع وآلاته . ( أ ) : النوع الأول : التصوير المجسم : " أن الصورة الجسمية هي جوهر متصل بسيط لا وجود لمحله دونه قابل للأبعاد الثلاثة المدركة من الجسم في بادئ النظر والجوهر الممتد في الأبعاد كلها المدرك في بادئ النظر بالحس ، وهذا ما يعرف بذوات الظل من المجسمات ، التي تتميز عن غيرها بأن لها طولاً وعرضًا ، وعمقًا ، ويكون لها جسم بحيث تكون أعضاؤها نافرة وبارزة تشغل حيزًا من الفراغ ، وتتميز باللمس بالإضافة إلى تميزها بالنظر فيكون عند النظر إلى هذا النوع من الصور كالمخلوق . . . " . وهذا النوع من الصور قد تصنع من جبس أو نحاس أو حديد أو خشب أو حجر أو غير ذلك مما له جرم ومحسوس . انظر : " التعريفات " للجرجاني ( ص 65 ) ، " مفردات ألفاظ القرآن " للراغب الأصفهاني ( ص 196 ) . ( ب ) : النوع الثاني : التصوير اليدوي : وقد عرف بأنه " من تمثيل الأشخاص ، والأشياء بالألوان " . وجاء في " المعجم الوسيط " ( ص 528 ) : التصوير اليدوي غير المجسم : " أنه نقش صورة الأشياء ، أو الأشخاص ، على لوح ، أو حائط ، أو نحوهما بالقلم ، أو بالفرجون أو بآلة التصوير " . ( ج - ) : النوع الثالث : التصوير الضوئي " الفوتوغرافي " وهو آلة تنقل صور الأشياء بانبعاث أشعة ضوئية من الأشياء التي تسقط على عدسة في جزئها الأمامي ، ومن ثم إلى شريط أو زجاج حساس في جزئها الخلفي ، فتطبع عليه الصورة بتأثير الضوء فيه تأثيرًا كيماويًا " . " المعجم الوسيط " ( ص 528 ) . فائدة رقم ( 2 ) : الألفاظ ذات الصلة بالتصوير : 1 - التمثال : هو اسم للشيء المصنوع ، مشبهًا بخلق من خلق الله حيوانًا كان أو جمادًا . انظر : " فتح الباري " ( 10 / 401 ) . 2 - الرسم : وهو تمثيل الأشياء ، والأشخاص بالألوان يدويًا . " المعجم الوسيط " ( ص 345 ) . والمشهور في عرف الناس إطلاق لفظ " الرسم " على ما يوافق إطلاقه اللغوي وهو استعماله في تصوير الصور المسطحة باليد دون الصور المجسمة من ذوات الظل أو الآلية ومن ذلك : الرسوم المتحركة وهي التي كانت ترسم يدويًا . ثم تجمع وترتب لها الأصوات والحركات . 3 - النحت : ويطلق على تقطيع الخشب ، والجبال . قال تعالى : { وتنحتون من الجبال بيوتًا فارهين } [ الشعراء : 149 ] . ويطلق ويراد به النشر والقشر . والنحت في الاصطلاح : هو الأخذ من كتلة صلبة كالخشب والحجر بأداة حادة كالإزميل ، أو السكين ، حتى يكون ما يبقى منها على الشكل المطلوب ، فإن كان ما بقي يمثل شيئًا آخر فهو تمثال أو صورة وإلا فلا " . " المعجم الوسيط " ( ص 906 ) . 4 - النقش والرقم والتزويق والوشي : - النقش : هو تلوين الشيء بلونين أو بألوان " . وقال في " معجم الفقهاء " ( ص 486 ) : النقش بفتح فسكون ، من نقش ، وجمعه نقوش ، ما يرسم أو يطرز من الرسوم على الأشياء . الرقم : لغة : التخطيط يقال : ثوب مرقوم ومرقم أي مخطط . واصطلاحًا : يطلق على كل رسم لا ظل له ، وذلك كالتطريز على الثوب ، والورق ونحو ذلك ، سواء كان التطريز بالقلم ، أو بفرشة أو أي آلة من آلات الرسم ، أو الكتابة ، وسواء كان التطريز كتابة أو خطوطًا فقط أو كان صورًا منقوشة مسطحة . التزويق : يطلق ويراد به التحسين . وأصل الزاووق : نوع من الدهن يخلط مع الذهب ويدهن به الشيء المراد تزيينه وتحسينه ، فإذا وضع في النار ذهب " الزاووق " وبقي الذهب صافيًا حسنًا . ثم توسعوا في استعماله حتى أطلقوا على كل منقش ومزين ، ومحسن وإن لم يكن فيه زاووق ، فلم يقتصر فيه على جعل الزاووق مع الذهب وطلي الشيء المراد تزيينه وتحسينه ، بل تدرج بهم الاستعمال إلى أن أطلقوه بعد على التصاوير المنقوشة والمرسومة باليد . " القاموس " ( ص 1151 ) . " معجم مقاييس اللغة " ( 6 / 114 ) . الوشي : يطلق ويراد به التزيين ، والتحسين ، والتنقيش ، ويطلق على الألوان . قال في " اللسان " ( 3 / 934 ) : وشى الثوب وشيًا وشيه : حسنه ، ووشاه نمقه ونقشه وحسنه . . . " . فائدة رقم ( 3 ) علل تحريم التصوير : 1 - في التصوير من المضاهاة لخلق الله تعالى ، وتشبيه فعل المخلوق بفعل الخالق سبحانه ، فمن صور شيئًا من ذوات الروح فقد وقع في المضاهاة المنهي عنها بمجرد انتهائه من صناعتها ، سواء كانت الصورة ممن ذوات الظل أو غير ذوات الظل . ( أ ) : إذا أراد بفعله : التكسب المادي ، أو التسلي ، أو غير ذلك من الأغراض التي لا يقصد من ورائها الإبداع وإظهار القدرة البشرية على أنها تشابه قدرة الخالق سبحانه وتعالى . فهذا الصنيع المجرد عن قصد المضاهاة يعد محرمًا وكبيرة من كبائر الذنوب ولكنه لا يبلغ بصاحبه إلى حد الكفر . وقد تقدم قوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " إن من أشد الناس عذابًا يوم القيامة المصورون " . ( ب ) : أما من صنع الصورة بقصد محاكاة فعل الخالق بفعله فإنه يكون بهذا القصد كافرًا . وقد تقدم الحديث : " أشد الناس عذابًا يوم القيامة المصورون الذين يضاهون خلق الله . . . " . انظر : " فتح الباري " ( 10 / 397 ) ، " مغني المحتاج " ( 3 / 247 - 248 ) . 2 - كون تصوير ذوات الأرواح وسيلة إلى الغلو فيها من دون الله تعالى ، وربما جر ذلك إلى عبادة تلك الصورة ، وتعظيمها ، وسيما إن كانت الصورة لمن يحبهم الناس ويعظمونهم سواء كان ذلك تعظيم علم وديانة ، أو تعظيم سلطان ورئاسة أو تعظيم صداقة وقرابة . أخرج البخاري في صحيحه رقم ( 4920 ) عن ابن عباس رضي الله عنهما في تفسير ود ، وسواع ، ويغوث ، ويعوق ، ونسر قال : " هذه أسماء رجال صالحين من قوم نوح فلما هلكوا أوحى الشيطان إلى قومهم أن انصبوا إلى مجالسهم التي كانوا يجلسون إليها أنصابًا ، وسموهم بأسمائهم ، ففعلوا ، فلم تعبد حتى إذا هلك أولئك وتنسخ العلم عبدت " . 3 - أن صناعة صور ذوات الروح المحرمة واتخاذها فيه تشبه بفعل من كانوا يصنعون الصور والتماثيل ويعبدونها من دون الله تعالى . سواء كان المصور قاصدًا التشبه بأولئك أم لا ، فمجرد صناعته للصورة أو استعمالها على وجه محرم بنصب ، أو تعليق أو نحو ذلك يكون حاله شبيهًا بحال المشركين ومقلديهم الذين كانوا يصنعون الصور ، ويضعونها في معابدهم ، أو بيوتهم تقديسًا وتعظيمًا لها . هذا إن لم يكن للمصور قصد في التشبه ، أما إذا كان قاصدًا التشبه فإن إثمه أعظم وذنبه أشد وأكبر ربما وصل به إلى الكفر بالله تعالى . انظر : " إغاثة اللهفان " ( 2 / 322 - 340 ) ، " مغني المحتاج " ( 3 / 247 ) . 4 - كون صور ذوات الروح مانعة من دخول الملائكة إلى مكان وجودها وقد ورد هذا التعليل في قوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " إن الملائكة لا تدخل بيتًا فيه صورة " . تقدم تخريجه . انظر : " حاشية ابن عابدين " ( 1 / 649 ) بتحقيقنا . 5 - ويعلل بعضهم لتحريم الصور صناعة واستخدامًا : بالنهي عن إضاعة المال وتبذيره ، وأن الإنسان مسؤول عن ماله من أين اكتسبه وفيما أنفقه ، وإنفاق المال في التصوير والصور مما لا ضرورة إليه ولا مصلحة تترتب عليه فيه إسراف ، وتبذير ، وإن كان قليلاً ، لأن إنفاقه في غير محله ، فأيما درهم أنفق في غير محله فهو إسراف ومجاوزة لحد الإنفاق المباح . فكما أن التقتير تضييق ونقص في الإنفاق ، فالإسراف زيادة ومجاوزة للحد في الإنفاق ، وكلاهما منهي عنه بقوله تعالى : { والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك قوامًا } [ الفرقان : 67 ] . فائدة رقم ( 4 ) : من أحكام التصوير : 1 - حكم صناعة صور المصنوعات البشرية وتحسينها : والمراد بالمصنوعات البشرية كل ما يكون ليد المخلوق فيه تأثير ، وتغيير وصناعة ، والصناعة إجادة الفعل وإتقانه ويشمل كل المنتوجات والمصنوعات كالطائرات ، والسيارات والسفن البحرية وجميع الآلات الميكانيكية بشتى أنواعها ، وكذلك يشمل بنيان الدور ، والمصانع ونحوهما مما لم يذكر هنا . وإن كان أصل المادة مخلوقًا لله سبحانه وتعالى ، كما بين الله ذلك بقوله جل ذكره . { هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعا } [ البقرة : 29 ] . الرأي الراجح : وهو الجواز ذهب إليه جماهير العلماء ومن أدلتهم . 1 - ) : ما تقدم من حديث النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ : " كل مصور في النار ، يجعل له بكل صورة صورها نفس تعذبه في جهنم " ثم قال ابن عباس رضي الله عنهما : " فإن كنت لا بد فاعلاً فاصنع الشجر وما لا نفس له " . 2 - ) : حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ : " أتاني جبريل فقال : إني كنت أتيتك البارحة ، فلم يمنعني أن أكون دخلت عليك البيت الذي كنت فيه إلا أنه كان في باب البيت تمثال الرجال ، وكان قرام ستر فيه تماثيل ، وكان في البيت كلب ، فمر برأس التمثال فليقطع ، ومر بالستر فيقطع فيجعل منه وسادتين منبوذين " . 3 - ) : وما أخرجه البخاري رقم ( 5961 ) ومسلم رقم ( 97 ) من حديث عائشة رضي الله عنها في قصة النمرقة التي فيها تصاوير حيث قال صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " إن أصحاب هذه الصور يعذبون يوم القيامة ويقال لهم : أحيوا ما خلقتم " تقدم تخريجه . انظر : " حاشية ابن عابدين " ( 1 / 649 ) ، " فتح الباري " ( 10 / 409 ) . - حكم صناعة المخلوقات الكونية : المراد بالمخلوقات الكونية في هذا المطلب : كل ما كان باقيًا على هيئته وخلقته التي خلقه الله عليها من المخلوقات الجامدة والتي لا يمكن أن يكون ليد المخلوق فيه أي تعديل ، أو تغيير ، أو صناعة وذلك مثل صورة الشمس ، والقمر ، والنجوم ، والجبال ، والبحار ، والأنهار والأودية . الراجح : جواز تصوير سائر المخلوقات الكونية ومن أدلتهم : حديث أبي هريرة والذي فيه قول جبريل للنبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " فمر برأس التمثال الذي في البيت يقطع ، فيصير كهيئة الشجرة . . . " . فالشاهد من الحديث : هو قول جبريل عليه السلام : " فمر برأس التمثال الذي في البيت فليقطع كهيئة الشجرة . . . " . قال ابن تيمية في " مجموع الفتاوى " ( 29 / 370 ) : " فيجوز تصوير الشجر والمعادن في الثياب ، والحيطان ، ونحو ذلك لأن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال : " من صور صورة في الدنيا كلف أن ينفخ فيها الروح ، وليس بنافخ " ، ولهذا قال ابن عباس لمن استفتاه " صور الشجرة ، ومالا روح فيه " - تقدم تخريجه وفيه : " ما لا نفس له " . ولعل ابن تيمية ذكر المعنى - وفي " السنن " عن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أن جبريل قال له في الصورة : " فمر بالرأس فليقطع . . . " ولهذا نص الأئمة على ذلك وقالوا : الصورة هي الرأس لا يبقى فيها روح فيبقى مثل الجمادات " . قال الحافظ ابن حجر في " الفتح " ( 10 / 394 ) : قوله : " من صور صورة في الدنيا " كذا أطلق وظاهره التعميم ، فيتناول صورة ما لا روح فيه ، لكن الذي فهم ابن عباس من بقية الحديث التخصيص بصورة ذوات الأرواح من قوله : " كلف أن ينفخ فيها الروح " فاستثنى ما لا روح فيه كالشجر . 3 - حكم صناعة صور غير ذوات الأرواح من الأجسام النامية : الراجح : جواز صناعة صور الأشجار والزروع وسائر النباتات مثمرة وغير مثمرة . وإلى هذا ذهب جماهير العلماء وفي مقدمتهم : أصحاب المذاهب الأربعة سواء كانت تلك الصور مجسمة أو مسطحة ، ويدخل في ذلك جواز صناعة الصور المذكورة بالآلات الحديثة . ودليلهم . . . ما تقدم من حديث أبي هريرة وقول جبريل : " فمر برأس التمثال يقطع فيصير كهيئة الشجرة " . وحديث ابن عباس رضي الله عنهما وقوله لمن سأله : " فإن كنت لا بد فاعلاً فاصنع الشجر وما لا نفس له . . . " . 4 - حكم صناعة التماثيل الكاملة مما يبقى ، ويدوم طويلاً : والراجح : تحريم صناعة التماثيل المجسمة لذوات الأرواح مطلقًا ما عدا لعب الأطفال فقط . وهذا قول جماهير العلماء قاطبة . من أدلتهم : 1 - ) قال تعالى عن إبراهيم عليه السلام : { إذ قال لأبيه وقومه ما هذه التماثيل التي أنتم لها عاكفون } إلى قوله تعالى : { لقد كنتم أنتم وآباؤكم في ضلال مبين } [ الأنبياء : 51 - 54 ] . 2 - ) قال تعالى : { أتعبدون ما تنحتون والله خلقكم وما تعملون } [ الصافات : 95 - 96 ] . وانظر الآيات من سورة الأعراف ( 138 - 139 ) وفيها . { وجاوزنا ببني إسرائيل البحر فأتوا على قوم يعكفون على أصنام لهم قالوا يا موسى اجعل لنا إلها . . . } . 3 - ) ما أخرجه البخاري في صحيحه رقم ( 4287 ) من حديث ابن مسعود رضي الله عنه قال : دخل النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مكة وحول الكعبة ثلاثمائة وستون نصبًا فجعل يطعنها بعود في يده وهو يقول : { وقل جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقًا } . انظر : مزيد تفصيل في فتح الباري ( 7 / 610 ) ، " إغاثة اللهفان " ( 2 / 408 ) . 5 - حكم صناعة التماثيل الكاملة مما لا يدوم طويلاً : والمراد بالتماثيل التي لا تبقى وتدوم طويلاً ، ما يصنع من مواد غير قابلة للبقاء لفترات طويلة ، وذلك مثل ما يصنع من الطين ، والحلوى ، والعجين ، وقشر البطيخ ونحو ذلك . والراجح : تحريم صناعة التماثيل لذوات الأرواح مطلقًا سواء كانت صناعتها من مادة تبقى وتدوم طويلاً ، كالحديد ، والخشب ونحوهما . أو كانت من مادة لا تبقى طويلا ، كالطين ، والحلوى وما يسرع إليه الفساد . وإلى هذا ذهب الحنفية والجمهور من المالكية والشافعية وهو المفهوم من مذهب الحنابلة . . . " . انظر : " فتح الباري " ( 10 / 390 ) ، " كشاف القناع " ( 1 / 280 ) . استدلوا على ذلك : بعموم النهي عن صناعة التماثيل من ذوات الروح مطلقًا ، والذي ورد في عدد من الأحاديث دون استثناء لأي نوع من الأنواع . أو صناعة من الصناعات أو مادة من المواد ، فيبقى الحكم على الأصل وهو التحريم ، ومن خص نوعًا أو صناعة ، أو مادة من المواد فعليه الدليل . انظر : " نهاية المحتاج " ( 3 / 384 ) . 6 - حكم صناعة التماثيل الناقصة والنصفية ، والمشوهة : اتفق جماهير العلماء على جواز صناعة التماثيل لذوات الروح ، إذا كانت مقطوعة الرؤوس قطعًا كاملاً ، يزيل الرأس بعيدًا عن الجسد . كما أنهم لم يعتبروا وضع الخيط في العنق قطعا للرأس ، لأن ذلك لا يخرج الصورة عن كونها صورة ، بل ربما زادها ذلك الفعل كمالاً ، وجمالاً وزينة ، كما يوجد في بعض الطيور ذوات الأطواق من الحمام ونحوها . ولكن وقع الخلاف فيما إذا كانت الصورة ناقصة عضو ، أو أعضاء مما لا تبقى الحياة مع فقدها ، أو فقد واحد منها إذا فقدت من الحي ، مع بقاء الرأس ، فاختلفوا في هذه الحالة على قولين . ( أ ) : تحريم صناعة التماثيل والصور المجسمة وغيرها ما دام الرأس باقيًا على الجسد سواء كانت لصورة نصفية ، أو مشوهة ، أو ناقصة أعضاء لا تبقى الحياة إذا فقد شيء منها ، لو فرض زوالها من حي . وإلى هذا ذهب بعض الشافعية والمتأخرين من الحنابلة . انظر : " تحفة المحتاج " ( 7 / 434 ) ، " نهاية المحتاج " ( 6 / 375 - 376 ) . وهو الراجح . والله أعلم ( ب ) : أنه إذا قطع من الصورة أي عضو من الأعضاء التي لا يمكن بقاء الحياة مع فقدها لو فرض زوالها من الحي ، فإن ذلك يكفي لإباحة الصورة ، وزوال المانع ، ولو كان الرأس باقيًا في الصورة . انظر : " بدائع الصنائع " ( 6 / 2968 ) ، " فتح الباري " ( 10 / 394 ) ، " تحفة المحتاج " ( 3 / 216 ) . 7 - حكم صناعة لعب الأطفال المجسمة : ( أ ) : حكم صناعة اللعب من العهن والرقاع كما كان في العهد القديم : الجواز مطلقًا ، وإلى هذا ذهب جمهور العلماء من الحنفية والمالكية والشافعية وبعض المتأخرين من الحنابلة . انظر : " فتح الباري " ( 10 / 395 ) . واعتمدوا في ذلك على ما أخرجه البخاري رقم ( 6130 ) عن عائشة رضي الله عنها قالت : " كنت ألعب بالبنات عند النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وكان لي صواحب يلعبن معي ، فكان رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذا دخل يتقمعن منه فيسر بهن إلي فيلعبن معي " . قال الحافظ في " الفتح " ( 10 / 527 ) : واستدل بهذا الحديث على جواز اتخاذ صور البنات واللعب من أجل لعب البنات بهن . وخص ذلك من عموم النهي عن اتخاذ الصور . وبه جزم عياض ونقله عن الجمهور ، وأنهم أجازوا بيع اللعب للبنات لتدريبهن من صغرهن على أمر بيوتهن وأولادهن . وما أخرجه أبو داود رقم ( 4932 ) عن عائشة رضي الله عنها ، قالت : قدم رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من غزوة تبوك أو خيبر ، وفي سهوتها ستر ، فهبت ريح فكشفت ناحية الستر عن بنات لعائشة - لعب - فقال : " ما هذا يا عائشة ؟ قالت : بناتي ! ورأى بينهن فرسًا له جناحان من رقاع ، فقال : " ما هذا الذي أرى وسطهن ؟ " قال : فرس ! قال : " وما هذا الذي عليه ؟ " قالت : جناحان ، قال : " فرس له جناحان ؟ ! " قالت : أما سمعت أن لسليمان خيلاً لها أجنحة ؟ ! " قالت : فضحك حتى رأيت نواجذه " . وهو حديث صحيح . والسهوة : شبيها بالرف ، والطاق يوضع فيه الشيء . قاله الخطابي في معالم السنن ( 5 / 227 ) . ( ب ) : حكم صناعة اللعب من البلاستيك مما جد في هذا العصر وفيه قولان : 1 - ) : تحريم صناعة اللعب من البلاستيك متى كانت لذوات الأرواح . انظر : " المنتقى من فتاوى الشيخ الفوزان " ( 3 / 281 ) . 2 - ) : الجواز وذهب إليه الشيخ عبد الرحمن عبد الخالق والشيخ القرضاوي والدكتور عبد الله ناصح علوان . انظر : " تربية الأولاد في الإسلام " ، " أحكام التصوير في الشريعة الإسلامية " . 8 - صناعة الصور المسطحة على وجه الامتهان [ منقوشة باليد ] : تحريم صناعة صور الأرواح مطلقًا . لما تقدم من الأدلة ومنها قوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " أشد الناس عذابًا يوم القيامة الذين يضاهون بخلق الله " . انظر : " حاشية ابن عابدين " ( 1 / 647 ) و " نهاية المحتاج " ( 6 / 375 - 376 ) . 9 - صناعة الصور المسطحة المنقوشة مما لا يعد ممتهنًا : ذهب الجمهور إلى تحريم صناعة الصور المنقوشة التي لا تعد للامتهان ، كما لو كانت ممتهنة ، بل وأشد تحريمًا ومنعًا من ذلك . " شرح صحيح مسلم " للنووي ( 14 / 81 ) ، " حاشية ابن عابدين " ( 1 / 649 ) . 10 - حكم صناعة المنقوشة باليد بدون الرأس : الجواز وذهب إلى هذا جماهير العلماء . للحديث المتقدم وفيه : " فمر برأس التمثال الذي في البيت يقطع فيصير كهيئة الشجرة " . 11 - حكم صناعة الصورة المنقوشة باليد لذوات الأرواح : إذا كانت نصفية أو ناقصة عضو من الأعضاء التي تزول الحياة بزوالها من الحي حالة كون الرأس باقيًا . ( عدم الجواز ) وقد تقدم ذكر ذلك . 12 - حكم صناعة ما فصل رأسه عن الجسد بخيط ونحوه : قال في " بدائع الصنائع " للكاساني ( 6 / 2968 ) : فإن قطع رأسه ، بأن خاط على عنقه خيطًا فذاك ليس بشيء ، لأنها لم تخرج عن كونها صورة ، بل ازدادت حية كالطوق لذوات الأطواق من الطيور " . وقال في " حاشية ابن عابدين " ( 1 / 648 ) : وأما قطع الرأس عن الجسد بخيط مع بقاء الرأس على حاله ، فلا ينفي الكراهة . 13 - حكم صناعة الصور الخيالية : الصور الخيالية : كل ما تصوره الشخص بعقله ، وتوهمه بفكره من هيئات ، وأشكال المخلوقات سواء كان مما له نظير ، ووجود في الواقع ، أو لم يكن - وسواء كانت من ذوات الأرواح - كرجل له منقار ، أو فرس له جناحان - كما يتصور بعض الكتاب في الجرائد والمجلات : أن صورة الشيطان على شكل صورة حيوان مخيفة له قرنان ، وذيل وفي المسألة فيها قولان : القول الأول : تحريم صناعة الصور الخيالية إذا كانت لذوات الأرواح . ولو كانت لما نظير له في الواقع ، كبقر لها مناقير ، أو فرس له جناحان أو غير ذلك ، وهذا هو رأي الجماهير من فقهاء المذهب الشافعي . وهو الظاهر من كلام بعض الحنفية ، وجمهور الحنابلة على حكم صناعة صور ذوات الروح عمومًا ، حيث إنهم يرون تحريم صناعة الصور لذوات الأرواح مطلقًا . ومن أدلتهم : قول النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " أشد الناس عذابًا يوم القيامة الذين يضاهون بخلق الله " . وقوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " إن الذين يصنعون هذه الصور يعذبون يوم القيامة يقال لهم : أحيوا ما خلقتم " . القول الثاني : في مذهب الشافعية : جواز صناعة الصور لما لا نظير له من الإنسان أو الحيوان . ولم يقدموا دليلاً على ذلك . والراجح هو القول الأول والله أعلم . 14 - حكم صناعة الصور الفوتوغرافية الكاملة : الراجح والله أعلم يقضي بتحريم التصوير الفوتوغرافي وأنه لا يجوز من ذلك إلا ما دعت إليه ضرورة أو مصلحة عامة . انظر : " مغني المحتاج " ( 3 / 248 ) ، " حاشية ابن عابدين " ( 1 / 648 - 649 ) ، " الجواب المفيد في حكم التصوير " ( ص 11 - 22 ) ، " التمهيد " ( 21 / 200 ) ، " كشاف القناع " ( 1 / 280 )