محمد بن علي الشوكاني
5178
الفتح الرباني من فتاوى الإمام الشوكاني
أقول : قد اشتمل هذا السؤال على مسائل أربع . الأولى : هل صح النهي عن التصوير أم لا ؟ . وأقول : قد صح عن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ - في ذلك ما هو أشد من النهي ، وأدل على التحريم منه ؛ وهو الوعيد للمصورين بالنار . أخرج البخاري ( 1 ) ومسلم ( 2 ) وغيرهما ( 3 ) من أهل الأمهات وغيرهم عن ابن عباس قال : سمعت رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ - يقول : " كل مصور في النار ، يجعل له بكل صورة صورها نفسًا تعذبه في جهنم ، فإن كنت لا بد فاعلاً فاجعل الشجر وما لا نفس له " . وأخرج البخاري ( 4 ) ومسلم ( 5 ) وغيرهما عن ابن عمر أن رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ - قال : " الذين يصورون هذه الصور يعذبون يوم القيامة ، يقال لهم : أحيوا ما خلقتم " . وأخرج البخاري ( 6 ) ومسلم ( 7 ) وغيرهما أيضًا عن عائشة قالت : قدم رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ - من سفر ، وقد سترت سهوة لي بقرام فيه تماثيل ، فلما رآه هتكه ، وتلون وجهه ، وقال : يا عائشة [ 1 أ ] ، أشد الناس ( 8 ) عذابًا يوم القيامة الذين
--> ( 1 ) في صحيحه رقم ( 2225 ، 5963 ) ( 2 ) في صحيحه رقم ( 2110 ) ( 3 ) كأحمد ( 1 / 216 ) والنسائي ( 8 / 215 ) . وهو حديث صحيح . ( 4 ) في صحيحه رقم ( 4951 ) ( 5 ) في صحيحه رقم ( 2018 ) . وهو حديث صحيح . ( 6 ) في صحيحه رقم ( 5954 ) ( 7 ) في صحيحه رقم ( 2107 ) . وهو حديث صحيح . ( 8 ) قال القرطبي في " المفهم " ( 5 / 430 - 431 ) قوله : " أشد الناس عذابًا يوم القيامة المصورون " مقتضى هذا : ألا يكون في النار أحد يزيد على المصورين . وهذا يعارضه مواضع أخر منها قوله تعالى : { أدخلوا آل فرعون أشد العذاب } [ غافر : 46 ] . قال القرطبي ردًا على ذلك - التعارض - أن الناس الذين أضيف إليهم : أشد ، لا يراد بهم كل نوع الناس بل بعضهم المشاركون في ذلك المعنى المتوعد عليه بالعذاب ، ففرعون أشد الناس المدعين للإلهية عذابًا ومن يقتدي به في ضلالة كفره أشد ممن يقتدي به في ضلالة بدعة . ومن صور صور ذات الأرواح أشد عذابًا ممن يصور ما ليس بذي روح ، إن تنزلنا على قول من رأى تحريم تصوير ما ليس بذي روح ، وهو مجاهد ، وإن لم نتنزل عليه فيجوز أن يعني بالمصورين الذين يصورون الأصنام للعبادة ، كما كانت الجاهلية تفعل ، وكما تفعل النصارى فإن عذابهم يكون أشد ممن يصورها لا للعبادة . وقال النووي : قال العلماء : تصوير صورة الحيوان حرام شديد التحريم وهو من الكبائر لأنه متوعد عليه بهذا الوعيد الشديد ، وسواء صنعه لما يمتهن أم لغيره فصنعه حرام بكل حال ، وسواء كان في ثوب أو بساط أو درهم أو دينار أو فلس أو إناء أو حائط أو غيرها ، فأما تصوير ما ليس فيه صورة حيوان فليس بحرام . قال البخاري في " الفتح " ( 10 / 384 ) : ويؤيد التعميم فيما له ظل وفيما لا ظل له ما أخرجه أحمد من حديث علي : أن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال : " أيكم ينطلق إلى المدينة فلا يدع بها وثنا إلا كسره ولا صورة إلا لطخها أي طمسها " . وقال الخطابي : إنما عظمت عقوبة المصور لأن الصور كانت تعبد من دون الله ، ولأن النظر إليها يفتن ، وبعض النفوس إليها تميل ، قال : والمراد بالصور هنا التماثيل التي لها روح ، وقيل يفرق بين العذاب والعقاب ، فالعذاب يطلق على ما يؤلم من قول أو فعل كالعتب والإنكار ، والعقاب يختص بالفعل فلا يلزم من كون المصور أشد الناس عذابًا أن يكون أشد الناس عقوبة .