محمد بن علي الشوكاني

5169

الفتح الرباني من فتاوى الإمام الشوكاني

العباد ، مستدلًّا على ذلك بما تقدم من الآيات التي ذكر فيها الأمر بالإنفاق ، والترغيب فيه ، قائلًا هذا الإنفاق من جملة ما يدخل تحت هذه الأيات ، وتصدق عليه . فهل يقول هؤلاء المستدلون بها على تلك الاستعانة التي استدلوا بها عليها أن هذا الاستدلال صحيح ، وأن الذي فعله ذلك الذي له سلطان ، وأمر به صواب ، أم يقولون هو خطأ وظلم وتصرف في مال الغير بما لم يأذن الله به ؟ فإن قالوا بالأول فقد خالفوا إجماع المسلمين أجمعين ، وجوزوا ما لم يجوزه أحد من سلف هذه الأمة وخلفها . وإن قالوا بالثاني ، قيل لهم فما الفرق بين ما ذهبتم إليه وألزمتم به الرعايا طوعًا أو كرهًا ، وبين ما فعله هذا الرجل الذي له سلطان ؟ فإن ما فعله وأمر به مما يصدق عليه آيات الإنفاق التي استدللتم بها ولا تجدون إلى دفع هذا سبيلًا . فإن قلتم : بعض أنواع الإنفاق أولى من بعض ، وأكثر ثوابًا ، وأعظم نفعًا . قلنا لكم : هذه الأولوية والأكثرية والأعظمية ممنوعة ، ثم لو سلمنا ذلك بعد تسليمكم أن تلك الآيات تدخل تحتها ما فعله ذلك الذي له سلطان وأمر به ، وما فعلتموه أنتم وأمرتم به ، فما الدليل الدال على تعين فرد من الأفراد المرادة بذلك الدليل العام ؟ مع أنه صدق على من فعل فردًا أو أفرادًا غير ما أردتم وطلبتم أنه قد امتثل ما أمره الله به وندبه إليه ، ثم نقول زيادة إيضاح : لم قدمنا لك أنه لا دلالة لما استدلوا به على مطلوبهم ، وهو الوجوب ، ثم لا دلالة له على أن الفرد الذي أرادوه هو المراد من الآيات دون غيره . فإن قالوا : هو أحد المرادات من الآيات . لم يتم الاستدلال ، ثم بعد هذا كله لا دليل فيما استدلوا به على أنه يجب [ 6 أ ] على رب المال أن يدفع ذلك الذي طلب منه إلى يد السلطان حتى يجهز به من أراد ، بل ذلك هو إلى رب المال يجهز به من أراد ، ويصرفه فيمن يختار من غير إكراه ولا إجبار . وفي هذا المقدار كفاية لمن له هداية ، والله ولي التوفيق . كتبه مؤلفه محمد الشوكاني - غفر الله له [ 6 ب ] - .