محمد بن علي الشوكاني
5166
الفتح الرباني من فتاوى الإمام الشوكاني
الترغيب في الصدقات تارة بلفظ الأمر ، وتارة بما يدل على أعظم ترغيب بترتيب الأجور الكثيرة عليه ، والأجزية الفاضلة على فعله ، ولم يقل أحد من الناس أنه يجب على أحد أن يتصدق [ 4 ب ] بشيء من ماله . ولا فرق بين الأمر بالإنفاق ، والأمر بالصدقة ، فإذا قال قائل لغيره : تصدق من مالك كان كقوله : أنفق من مالك ، وإذا قال القائل لغيره : أنفق من مالك كان كقوله : تصدق من مالك ، لا فرق بينهما . فدعوى وجوب الإنفاق بالآيات التي فيها الأمر به يستلزم القول بوجوب الصدقة في الآيات التي فيها الأمر بها ، واللازم باطل فالملزوم مثله . فإن قال قائل : الأوامر بالصدقة قد اقترنت بما يصرفها عن الوجوب . قلنا : وكذلك الأوامر بالنفقة قد اقترنت بما يصرفها عن الوجوب ، بل كل ما جعل صارفًا للأوامر بالصدقة فهو صارف للأوامر بالإنفاق لما ذكرناه هاهنا ، ولا نخرج من ذلك إلا ما دل عليه دليل يفيد إيجابه على طريقة الخصوص كما قدمنا الإشارة إلى ذلك . وبهذا يتضح لك أن الاستدلال بآيات الإنفاق على وجوب إخراج جزء من المال في الجهاد فوق ما يتجهز به المجاهد مصادرة على المطلوب ؛ لأنه استدلال بمحل النزاع ، وبموضع الخلاف . ثم هذا النوع الخاص لم ينقل عن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ - أنه ألزم أحدًا من الصحابة به على طريقة الحتم والجزم ، ولا ورد ذلك في حديث صحيح ولا حسن ، بل كان - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ - يرغب في ذلك بمثل قوله : " من جهز غازيًا كان له مثل أجره " ( 1 ) ، " ومن جهز غازيًا فقد غزا " ( 2 ) فما أحق الإمام الفاضل ، والسلطان العادل أن يسلك هذا المسلك النبوي إذا احتاج إلى تجهيز الغزاة !
--> ( 1 ) أخرجه مسلم في صحيحه رقم ( 1896 ) وأبو داود رقم ( 2510 ) من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه . وهو حديث صحيح . ( 2 ) أخرجه الترمذي رقم ( 1629 ) وابن ماجة رقم ( 2759 ) وابن حبان في صحيحه رقم ( 4611 ) من حديث زيد بن خالد الجهني رضي الله عنه . وهو حديث صحيح .