محمد بن علي الشوكاني

5165

الفتح الرباني من فتاوى الإمام الشوكاني

الصحيح ( 1 ) عن أبي أمامة قال : قال رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ - : " يا ابن آدم ، إنك إن تبذل الفضل خير لك ، وإن تمسكه شر لك " فمعنى الآية المذكورة هو معنى هذا الحديث ، وليس فيه ما يدل على الوجوب ، بل فيه ما يدل على الندب لقوله : " خير لك " . ومن الترغيب في الإنفاق العام الصادق على كل نوع من أنواعه ما ثبت في الصحيح ( 2 ) عنه - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ - : " اللهم اجعل لمنفق خلفًا ، ولممسك تلفًا " وقوله : " أنفق ينفق عليك ، ولا توكي فيوكأ الله عليك " ( 3 ) . ومن ذلك قوله تعالى : { وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ } ( 4 ) فهذا ترغيب في الإنفاق العام الذي يحصل الامتثال بنوع من أنواعه ، ومن قام بنوع منه فقد فعل ما طلب منه ، ولا يخاطب بنوع خاص ، ولا يكره على ذلك . وعلى فرض أن يلزمه أن يصرفه في تجهيز المجاهدين لكونه من أعلى أنواع الإنفاق وأفضلها فذلك أمر مفوض إليه ، والخطاب متوجه إليه ، وهو المالك لماله ، فيكون أمر التجهيز إليه لا إلى غيره . وإذا أخل بهذا فحكمه حكم من لم يمتثل ما أمر به أو ما ندب إليه من غير إيجاب ، ومما يدل على عدم وجوب الإنفاق المذكور في هذه الآيات التي استدلوا بها ما ورد في الكتاب العزيز في آيات كثيرة ، وفي السنة المطهرة في أحاديث كثيرة صحيحة من

--> ( 1 ) أخرجه مسلم في صحيحه رقم ( 1036 ) . ( 2 ) أخرج البخاري في صحيحه رقم ( 1442 ) ومسلم رقم ( 1010 ) عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " ما من يوم يصبح العباد فيه إلا ملكان ينزلان فيقول أحدهما : اللهم أعط منفقًا خلفًا ، ويقول الآخر : اللهم أعط ممسكًا تلفًا " . ( 3 ) أخرج البخاري في صحيحه رقم ( 1433 ) ومسلم رقم ( 1029 ) وأبو داود رقم ( 1699 ) عن أسماء بنت أبي بكر الصديق رضي الله عنهما قالت : قال لي رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " لا توكي فيوكأ عليك " . وأخرج البخاري في صحيحه رقم ( 2591 ) ومسلم في صحيحه رقم ( 2331 ) عن أسماء قالت : قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " انفحي ( أو انضحي أو أنفقي ) ولا تحصي فيحصي الله عليك ، ولا توعي فيوعي الله عليك " . ( 4 ) [ سبأ : 39 ] .