محمد بن علي الشوكاني

5164

الفتح الرباني من فتاوى الإمام الشوكاني

يحصل بالإنفاق في وجه من وجوه الخير كائنًا ما كان ؛ لأنه من سبيل الله . هذا على فرض أن الأمر هاهنا للوجوب ، وليس كذلك ، فإن قوله : { وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ } ( 1 ) يدل على أن ذلك مندوب ، وإلا لكان كل إحسان واجبا ، واللازم باطل فالملزوم مثله . ولا ريب أن المندوبات بأسرها هي من الإحسان ، ومع هذا فإن الآية وردت لسبب خاص ، أخرج أبو داود ( 2 ) عن أبي أيوب الأنصاري قال : " إنما نزلت هذه فينا معشر الأنصار لما نصر الله نبيه - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ [ 4 أ ] - قلنا : هل نقيم في أموالنا ونصلحها ؟ فأنزل الله : { وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ } . . . الحديث " . فهي للحث ( 3 ) لهم على الجهاد لما عزموا على الإقامة في أموالهم وإصلاحها . ومع هذا فهذه الآيات التي ذكروها المشتملة على الأمر بالإنفاق والترغيب فيه لو سلمنا دلالتها على المطلوب لكان ذلك الإنفاق هو ما بينه الله - سبحانه - في قوله : { ويسألونك ماذا ينفقون قال العفو } ( 4 ) والعفو هو الشيء الفاضل الذي لم يكن لصاحبه به حاجة ، ولكن هذا ما ثبت في . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

--> ( 1 ) [ البقرة : 195 ] . ( 2 ) في " السنن " رقم ( 2976 ) . وهو حديث صحيح . قلت : وأخرجه الترمذي رقم ( 2972 ) والنسائي في " السنن الكبرى " رقم ( 11029 ) . ( 3 ) قال ابن كثير في تفسيره ( 1 / 530 ) : ومضمون الآية : الأمر بالإنفاق في سبيل الله في سائر وجوه القربات ووجوه الطاعات وخاصة صرف الأموال في قتال الأعداء وبذلها فيما يقوى به المسلمون على عدوهم ، والإخبار عن ترك ذلك بأنه هلاك ودمار وإن لزمه واعتاده ، ثم عطف بالأمر بالإحسان وهو أعلى مقامات الطاعة فقال : { وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ } . وأخرج البخاري في صحيحه رقم ( 4516 ) عن حذيفة : { وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ } قال : نزلت في النفقة . ( 4 ) [ البقرة : 219 ] .