محمد بن علي الشوكاني
5161
الفتح الرباني من فتاوى الإمام الشوكاني
{ هَاأَنْتُمْ هَؤُلَاءِ تُدْعَوْنَ لِتُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَمِنْكُمْ مَنْ يَبْخَلُ وَمَنْ يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَنْ نَفْسِهِ وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ } ( 1 ) وليس في هذه الآية ما يفيد وجوب الإنفاق من خالص المال في نوع خاص ، بل من أنفق في سبيل الله فقد امتثل ، والمراد بسبيل الله كل ما فيه بر وثواب كائنًا ما كان . وعلى تسليم الدلالة فذلك أمر مفوض إلى رب المال يضعه حيث يشاء ، وكيف يشاء ، وفي من يشاء ، فما الدليل على أنه يدفعه إلى السلطان ؟ ولو كان ذلك جائزًا لكان أولى الناس به رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ - الذي هو أولى بالمؤمنين من أنفسهم . ولم يثبت أنه أكره أحدًا من أرباب الأموال في عصره على دفع شيء من ماله ، ولا قبض ذلك منه ، وليس في القرآن إلا الأمر للنبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ - بأن يأخذ الصدقة الواجبة كما في قوله : { خذ من أموالهم صدقة } ( 2 ) ولو كان مطلق الإنفاق الخارج عن الصدقة الواجبة واجبًا لكان الحمل على هذا الواجب والإكراه عليه واجبًا كسائر الواجبات الشرعية ، فلما لم يحصل ذلك منه كما حصل في الزكاة المفروضة حيث قال : " فإنا آخذها وشطر ماله عزمة من عزمات ربنا " ( 3 ) دل ذلك على أنه لا وجوب لما عدا ذلك إلا بدليل يخصه كالإنفاق على الزوجات بلا خلاف في ذلك ، وعلى بعض القرابة كالأبوين والأولاد الصغار على خلاف في ذلك ، ولكنه قد أذن ( 4 ) - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ - لهند بنت
--> ( 1 ) [ محمد : 38 ] . ( 2 ) [ التوبة : 103 ] . ( 3 ) أخرجه أحمد ( 5 / 2 - 4 ) وأبو داود رقم ( 1575 ) والنسائي ( 5 / 15 - 16 رقم 2444 ) والحاكم في " المستدرك " ( 1 / 398 ) وصححه ووافقه الذهبي والبيهقي ( 4 / 105 ) والدارمي ( 1 / 396 ) وابن أبي شيبة ( 3 / 122 ) والطبراني في " الكبير " ( 19 / 411 رقم 984 - 988 ) عبد الرزاق رقم ( 6824 ) وابن خزيمة ( 4 / 18 رقم 2246 ) . من حديث بهز بن حكيم عن أبيه عن جده . وهو حديث حسن . ( 4 ) يشير إلى الحديث الذي أخرجه البخاري رقم ( 5364 ) ومسلم رقم ( 1714 ) عن عائشة رضي الله عنها قالت : دخلت هند بنت عتبة - امرأة أبي سفيان - على رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقالت : يا رسول الله ، إن أبا سفيان رجل شحيح لا يعطيني من النفقة ما يكفيني ويكفي بني ، إلا ما أخذت من ماله بغير علمه فهل علي في ذلك من جناح ؟ فقال : " خذي من ماله بالمعروف ما يكفيك وما يكفي بنيك " . وقد تقدمت مناقشة الحديث والتعليق عليه .