محمد بن علي الشوكاني

5159

الفتح الرباني من فتاوى الإمام الشوكاني

فإن إنفاق بعض من المال في قربة من القرب ينفي عن المنفق وصف البخيل ، ويخرجه عن صفة الباخلين ، وإلا لزم أنه لا يخرج عن وصف البخل إلا بالإنفاق في الجهاد ، وإن أنفق ماله في وجوه الخير . وهذا لا تدل عليه الآية بمطابقة ، ولا تضمن ، ولا التزام . وهكذا الجواب عما استدلوا به من قوله تعالى : { الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ وَيَكْتُمُونَ مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ } ( 1 ) فإن من أخرج بعضًا من ماله في وجه من وجوه الخير ، ونوع من أنواع الإنفاق فيما شرعه الله ليس بباخل قطعًا . واستدلوا أيضًا بقوله تعالى : { وَمَاذَا عَلَيْهِمْ لَوْ آمَنُوا بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقَهُمُ اللَّهُ وَكَانَ اللَّهُ بِهِمْ عَلِيمًا } ( 2 ) ، وبقوله : { وما لكم ألا تنفقوا في سبيل الله } ( 3 ) ، وبقوله : { من ذا الذي يقرض الله قرضًا حسنًا } ( 4 ) ، وبقوله : { ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون } ( 5 ) وليس في هذه الآيات دلالة على المطلوب أصلًا ، وغايتها الترغيب في الإنفاق في وجوه الخير ، ومن فعل شيئًا من ذلك فقد فعل ما ندب إليه ، فما الدليل على أنه لا يكون ممتثلًا إلا بالإنفاق في وجه خاص من وجوه الخير ؟ . وبالجملة فالآيات القرآنية التي فيها الترغيب في الإنفاق كثيرة جدًّا . ولا شك أن معناها الترغيب لعباد الله في إنفاق شيء من أموالهم فيما أرادوه كائنًا ما كان ، ومن فعل ذلك فقد امتثل واستحق الأجر المذكور في تلك الآيات ، فمن أوجب عليه بعد ذلك أن

--> ( 1 ) [ النساء : 37 ] . ( 2 ) [ النساء : 39 ] . ( 3 ) [ الحديد : 10 ] . ( 4 ) [ الحديد : 11 ] . ( 5 ) [ الحشر : 9 ] ، [ التغابن : 16 ] .