محمد بن علي الشوكاني
5156
الفتح الرباني من فتاوى الإمام الشوكاني
بما ليس بواجب ، كما في قوله تعالى : { خُذُوهُ فَغُلُّوهُ ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعًا فَاسْلُكُوهُ إِنَّهُ كَانَ لَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ وَلَا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ } ( 1 ) فقرن ما بين الإيمان الذي هو أعظم الواجبات ، وبين الحض على طعام المسكين الذي ليس بواجب ، مع ما في أول هذه الآية من الوعيد الشديد ، وعلى تسليم الدلالة على المطلوب في أنه الجهاد فليس في ذلك أنه يجب على المجاهد بنفسه أن يخرج قطعة من ماله ليتجهز بها غيره ، بل غاية ما يجب عليه تجهيز نفسه بما يحتاج إليه . وأما تجهيز غيره بعد تجهيزه لنفسه فليس ذلك بواجب شرعًا ، بل مندوب فقط . ثم لو سلمنا أنه يجب على من كثر ماله ، وتمكن من زيادة على تجهيزه لنفسه وما يحتاج إليه من يعوله لكان أمر ذلك يدفعه إلى من يشاء من المجاهدين ، وليس عليه أن يدفعه إلى السلطان . ولو كان ذلك من الواجبات الشرعية لأوجبه رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ - على أهل الأموال . ولم يثبت من وجه صحيح أنه - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ - أوجب على أحد من الصحابة [ 1 أ ] أن يجهز غازيًا ، أو أكثر أو أقل ، بل غاية ما وقع منه - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ - هو الترغيب ( 2 ) ، وأن ذلك من أعظم
--> ( 1 ) [ الحاقة : 30 - 34 ] . ( 2 ) منها : ما أخرجه البخاري في صحيحه رقم ( 2843 ) ومسلم رقم ( 1895 ) وأبو داود رقم ( 2509 ) والترمذي رقم ( 1628 ) والنسائي ( 6 / 46 ) عن زيد بن خالد الجهني رضي الله عنه ، أن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال : " من جهز غازيًا في سبيل الله فقد غزا ، ومن خلف غازيًا في أهله بخير فقد غزا " . ومنها : ما أخرجه البخاري في صحيحه رقم ( 2841 ) ومسلم رقم ( 1027 ) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه ، أن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال : " من أنفق زوجين في سبيل الله دعاه خزنة الجنة - كل خزنة باب - أي قل هلم ، قال أبو بكر : يا رسول الله ، ذاك الذي لا توى عليه ، فقال صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إني لأرجو أن تكون منهم " . ومنها : ما أخرجه النسائي ( 6 / 49 ) والترمذي رقم ( 1625 ) وابن حبان رقم ( 4628 ) والحاكم ( 2 / 87 ) من حديث خريم بن قاتك رضي الله عنه قال : قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " من أنفق نفقة في سبيل الله كتبت بسبعمائة ضعف " . وهو حديث صحيح .