محمد بن علي الشوكاني
5139
الفتح الرباني من فتاوى الإمام الشوكاني
ذاك ، ودفع المفاسد الواقعة أرجح من دفع المفاسد التي لم تقع بالإجماع ، وبما أسلفناه من أول هذه الرسالة : إلى هنا يجاب قولكم آخر البحث فهل من دليل ؟ . قال : قد قدمنا لك أن نقل الأزبال إلى الأموال لا فرق بينه وبين نقلها إلى الحمام ، وأنه لم يمنع من ذلك شرع ولا عرف إلخ . أقول : قد عرفت إبطالنا لذلك فيما سلف ، وأنه قياس أولًا على غير دليل ، وثانيًا مع الفارق . وكيف يقال لم يمنع من الالتقاط شرع ولا عرف ! وأدلة تحريم التلوث بالنجاسة لغير حاجة متواترة ، ومجمع على تحريمها . فهب أن جميع الأدلة التي سردناها في إجبار اليهود كما ذكرتم ، وأن ما حررناه من رد كلامكم في هذه الرسالة غير ناهض ، فما العذر عن تقرير المسلمين على ذلك المنكر ، الذي لم يخصه من عموم تحريم ملابسة النجاسة دليل ؟ إن قلتم : نقل الأزبال إلى الأموال فنقول : إذا ذهب عن ذهنكم ما مر في أثناء هذه الرسالة فارجعوا إليه لتعلموا أنه لم يدل على ذلك سنة ، ولا قرآن ، ولا إجماع ، ولا قياس ولا استدلال . فكيف التعلق بالقياس على مثله ؟ ! وتخصيص الأدلة المتواترة به ، وترديده في هذه الأبحاث ، حتى كأنه في أم الكتاب ، فما دأب المناظرة إلا المناصرة على طلب الحق لأرمي المنازع بكل هجر ومدر . وأما قولكم : قد رددنا الاستنباطات التي سماها القاضي أدلة كما سمعت ، فما هذه بأول قارورة من قوارير الإنصاف كسرت . وقد علم الله أني نظرت إلى رسالتكم بعين الإنصاف ووطنت النفس عند فض خاتمها على تنكب مزالق الاعتساف ، ولو صح لي شيء من تلك الردود لصليت وسلمت . ولا أقول قد وضح الصح لذي عينين ، ولا عادت إرسال المقال بخفي حنين ، ولكني أكل الأمر إلى إنصافكم ، فإن لاح لكم بعد التدبر الاختلال أفدتمونا . وقد نبهنا لها عمرًا وزمنًا ، وإن يكن الأخرى فما في الانقياد للحق وصمة وسقوط واحد من تلك الأدلة ، أو سقوط بعضها لا يستلزم سقوط جميعها . وقولكم : هذا الذي جعله القاضي [ 23 ] من فوائد منكرًا معروفًا حسب هذا التقرير . أكل الكلام عليه نظركم ، وأفوضكم في جعل طرده عكسًا ، فقد طال الكلام ،