محمد بن علي الشوكاني
5130
الفتح الرباني من فتاوى الإمام الشوكاني
أقول : نعم ، ولا ذلة عليهم مع عدم مساكنة أعداء الله ؛ لأن كون هذه القضية فيها غاية الإهانة على المسلمين بالنسبة إلى إعفاء اليهود منها ، ومشاهدتهم لمباشرة المسلمين لذلك ، وتقذرهم لفعلهم ، حتى تراهم إذا رأوا المسلم يباشر ذلك يتجنبون القرب منه ، ويسدون أنافهم ، فمن هاهنا - يا فخر الإسلام - جاءت الذلة العظيمة ، وكان في تخليص المسلمين منها غاية العزة . قال : فبعد قول الله : { ليتخذ بعضهم بعضًا سخريًّا } ( 1 ) لا مجال للكلام إلخ . أقول : وقد صرح - جل جلاله - : برفع المؤمنين ووضع الكفار ، وجعل الرفع في هذه المقيدة بما في آية رفع المؤمنين معللًا بقوله : { ليتخذ بعضهم بعضًا [ 17 ] سخريًّا } ( 2 ) وقد رفعكم الله ، ورفعنا بالإيمان ، وخصكم بالأقدار على إنفاذ الأوامر ؛ فاتخذوا هؤلاء الملاعين سخريًّا . ولا يقولوا قد اتخذناهم سخريًّا في كذا وكذا ؛ فإن ذلك أمر مشترك بينهم وبين المسلمين ولكن : انزلوها بحيث أنزلها الله . . . بدار الهوان والإتعاس ذلها أظهر التودد منها . . . وبها منكم كحر المواس وقد سبق ما أسلفناه في نقل الأزبال إلى الأموال ، فلا نعيده هنا في الجواب على ما ذكرتم . قال : وهاهنا مانع من استدلال بالآية على العموم إلخ . أقول : لم ندع العموم حتى يرتب على ذلك منعنا من الاستدلال بها ، إنما جعلناه وصفًا مادحًا ترغب في التلبس به النفوس ، لما قررنا من ظهور عدم عزة أهل هذه الحرفة من المسلمين على اليهود ؛ لمباشرتهم لما لا يساعدون عليه ، ويرونه من أعظم صفات الذلة ، والنقص والمهانة ، والمسلم أخو المسلم ( 3 ) ؛ فبذل الجهد في تحصيل المعزة له
--> ( 1 ) [ الزخرف : 32 ] . ( 2 ) [ الزخرف : 32 ] . ( 3 ) يشير إلى الحديث الذي أخرجه مسلم في صحيحه رقم ( 32 / 2564 ) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " لا تحاسدوا ولا تناجشوا ، ولا تباغضوا ، ولا تدابروا ، ولا يبع بعضكم على بيع بعض ، وكونوا عباد الله إخوانًا ، المسلم أخو المسلم : لا يظلمه ، ولا يخذله ، ولا يحقره ، التقوى هاهنا - ويشير إلى صدره ثلاث مرات - بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم ، كل المسلم على المسلم حرام ، دمه وماله وعرضه " . وهو حديث صحيح .