محمد بن علي الشوكاني
5129
الفتح الرباني من فتاوى الإمام الشوكاني
أقول : سلمنا تنزلًا . فما يقولون في الأسباب الموجبة للخزي هل هي معينة أم لا ؟ إن قلتم بالأول فما دليلكم ؟ وإن قلتم بالثاني صح استدلالنا ، وثبت مطلوبنا . قال : صدر الآية : { يا أيها النبي جاهد الكفار } ( 1 ) إلى آخر البحث . أقول : غير خاف على فطرتكم السليمة ، وفكرتكم القويمة أن صيغة الكفار عامة ، ولم يقع الخلاف في مثلها إلا من جهة استغراقها للجموع ، أو لما هو أعم من ذلك ، وقد اختلف كلام جار الله ( 2 ) في ذلك ، وقد حقق سعد الملة التالي ، ورجحه وكرره في حاشية الكشاف مرات ، وطول الكلام في المطول ، وزعم أنه مذهب أهل الأصول والتفسير ، وعلى ذهني أنه ذكر في حاشيته على شرح المختصر ، ولم يطول الكلام أحد في ذلك بمثل ما طوله . وقد تقرر عدم القصر على السبب ؛ فاستدلالنا بها من هذه الحيثية وكون مقام النزاع من أسباب الأغلاظ أمر لا ينكر ، والدليل على مدعي التخصيص إن سلم العموم أو التقييد إن لم يسلم ، ولا دليل يخرج الالتقاط فيما نعلم ، فأفيدونا به ، وهذا الدليل صالح للاستدلال به على وجوب الإجبار على هذه القضية ، ولا يقال أن الأمر بجميع أسباب الأغلاظ لا يمكن الوفاء به ؛ لأنا نقول : أسباب الأغلاظ متفاوتة ، وهذه من أهمها ، فغاية الأمر أن الأغلاظ عليهم بالأهم ممكن بالفعل ، فلا شك في صحة التكليف به . والاستدلال بقوله تعالى : { ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن } ( 3 ) مسلم ، ولا يضرنا تسليمه ؛ لأن البحث في غيره . قال : لا ينكره أن العزة لله ورسوله وللمؤمنين ، وأما كون هذه مقدمة ركب العزة فلا ، إذ يلزم من ذلك أنه لا عزة للإسلام في البلاد الخالية عن اليهود إلخ .
--> ( 1 ) [ التوبة : 73 ] ، [ التحريم : 59 ] . ( 2 ) الزمخشري في " الكشاف " ( 3 / 68 ) . ( 3 ) [ العنكبوت : 46 ] .