محمد بن علي الشوكاني

5120

الفتح الرباني من فتاوى الإمام الشوكاني

في الصحيح ( 1 ) : وكنا على عادة العرب الأولى نعاف هذه الكنف التي تتخذها الأعاجم ، أو كما قالت : فكيف يقال أن الشارع أباح ما لا وجود له في تلك البلاد ! فإن قلت : وجوده في بعض البلاد الإسلامية في ذلك الوقت كاف ، والاحتجاج بتقريره ركن . قلنا : أين لنا في أي بلاد الإسلام كان ذلك ؟ وأين لنا أن المسلمين كانوا يقولون ذلك ؟ وأين لنا أنه بلغ النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ - فقرره ؟ وبعد هذا البيان نقول : النهي عن التلوث بالنجاسة لغير ما واجب أو ندب عام مجمع عليه ، فيقتصر في تخصيصه على ذلك المقدار ؛ أعني إخراج الحشوش إلى الأموال الحاجة أهلها ، وأما إلحاق محل النزاع بذلك فمع كون التخصيص بالقياس محل خلاف ، ثم فارق لا يصح إلغاؤه ، فيكون معه فاسد الاعتبار ، وإلا لزم إلحاق كل تلوث ، وأنه باطل . أما الملازمة فلأن إلغاء الفارق يوجب ذلك ، وأما بطلان اللازم فضروري . وأما قولكم : ولا يقول أحد : إن الأموال كانت لا توضع فيها الأزبال ، فإن قلتم بتعميم الأزبال الداخلة تحته العذرة فممنوع ، ويعود البحث الأول ، وما نقلتموه عن الصحابة لا يفيد ذلك ، كيف وابن عمر يقول : ويشترط عليهم أن لا يزبلوه بعذرة الناس . وإن قلتم : الأزبال الظاهرة فمسلم ، ولا ينفعكم ولا يضرنا . وإن قلتم : المراد بالأزبال جنسها الشائع في الأفراد ، فغاية ما فيه احتمال أن يكون من الطاهرة ، واحتمال أن تكون من المتنجسة بعد الاستحالة ، كما نشاهده الآن ، واحتمال أن يكون من النجسة قبل الاستحالة ، والاحتمال قادح في صحة الاستدلال ، فتدبروا في قولكم ، وقد أباح الشرع الأول .

--> ( 1 ) أخرجه مسلم في صحيحه رقم ( 56 / 2770 ) من حديث عائشة وفيه : " . . . وخرجت معي أم مسطح قبل المناصع . وهو متبرزنا ، ولا نخرج إلا ليلًا إلى ليل . وذلك قبل أن نتخذ الكنف قريبًا من بيوتنا ، وأمرنا وأمر العرب الأول في التنزه وكنا نتأذى بالكنف أن نتخذها عند بيوتنا . . . " .