محمد بن علي الشوكاني
5115
الفتح الرباني من فتاوى الإمام الشوكاني
تخصيص إلصاق الصغار بهم حال دفع الجزية ، فقولكم : إن عدم الانفكاك عن الصغار والذلة بالقوة مسلم لا يوجب منع إجبارهم على هذه القضية التي هي محل النزاع ؛ لأن صغارهم بعد التلبس بها لا يكون دوامه إلا بالقوة للقطع بتركهم لذلك حال النوم والأكل ، والاستراحة ؛ وهذا مشي معكم على مقتضى كلامكم ، وإلا فتقييدكم للصغار بالقوة تارة ، وبالفعل أخرى ، غير مناسب ؛ لأن الصغار بمعنى الذلة لا يصير بترك مباشرة الذي هو الالتقاط ، أو لبس الغيار ، أو ما يقع عند أخذ الجزية ، أو نحو ذلك صغارًا بالقوة ، بل هو صغار بالفعل ؛ لأن الذلة التي هي الاستكانة والخضوع ثابتة لهم في جميع الأوقات ، وإنما الذي يصح إنصافه بالقوة تارة ، والفعل أخرى أسبابه لا هو . وهذا كما يقال لمن صار للجبن له غريزة جبان ، ولا يشترط في تحقيق جبنه بالفعل حدوث أسباب الجبن ؛ من مقارعة الأبطال ، وتقحم معارك النزال . ونزاعنا ليس إلا في تخصيص الأسباب التي يتأثر عنها هذا الأثر . فقولنا في حل الإشكال : وإذا تقرر أن كل فرد من أفراد أهل الذمة لا ينفك عن الصغار بحكم الشرع ، وأن الصغار هو الذلة والإهانة كما تقرر في اللغة ( 1 ) مقدمة لدفع التخصيص الذي ذكرناه ، أما التخصيص ببعض ما فيه ذلك فظاهر ؛ لأن أسباب الذلة والإهانة أعم من ذلك . وأما التخصيص بوقت دفع الجزية فلذلك ، ولعدم تحقق مثل هذا الأثر عنه - أعني الذلة الداعية على الدوام - التي أشعر بها القرآن . وهب أنه يتحقق بها ذلك الأثر ، فما الدليل على الاقتصار عليه ؟ إن قلت ما سيأتي من أنها إجارة لا تجوز إلا برضا الأجير ، فسيأتي الكلام عليه . قال : لا ملجئ على مخالفة الظاهر ، وما أطبق عليه المفسرون ، وعلماء المعاني والبيان . أقول : قد عرفت مما سلف أنه لم يذهب إلى الأخذ بظاهر التقييد أحد ؛ لأن ما ذكره الزمخشري ( 2 ) . . . . . . . . . . . .
--> ( 1 ) انظر " القاموس " ( ص 514 ) . ( 2 ) في " الكشاف " ( 3 / 32 ) .