محمد بن علي الشوكاني
5108
الفتح الرباني من فتاوى الإمام الشوكاني
ينكر هذا ، وليس في كلامه ما ينفيه ، ومراده بابتداء الكلام الذي هو قيد المجيء ، واستئنافه في ذلك المثال إن لم يكن أمرًا ثابتًا قبله ، بل إثبات مضمون الحال لصاحبها بعد إثبات مضمون عاملها له ، وليس المراد أنه ثبت له المجيء أولًا ، ثم الإسراع مثلًا ثانيًا ، بل المراد تعقب إثبات الصفة من المتكلم ، وفرق بين الثبوت والإثبات ، ولا نزاع في مقارن الحال وعاملها في القيام بالصاحب ، أو الوقوع عليه ، وهذا هو المراد يقول الشيخ في آخر الكلام ، وأنك لم ترد جاءني كذلك ، ولكن جاءني وهو كذلك ؛ لأن الثاني مشعر بثبوت هذه الصفة له ، مقارنة للمجيء بخلاف الأول . قال : فعرفت من هذا أن المعنى في قوله تعالى : { وهم صاغرون } ( 1 ) على استئناف كلام ، وابتداء صغار عند إعطاء الجزية ، من دون نظر إلى الدوام وعدمه ، وهو ما فهمه السلف الماضون - رضي الله عنهم - . أقول : ونحن معكم على هذا إن أردتم بقولكم من غير نظر إلى الدوام . الدوام الزائد على زمن المقيد . قولكم : عند إعطاء الجزية ، قلنا : مسلم لكن على الوجه الذي سلف . قال : وهو الذي فهمه إمام البيان والتفسير الزمخشري ( 2 ) - رحمه الله - إلخ . أقول : أما مجرد فهم هذا الإمام فلا يوجب رفع الجدال والخصام ، وإنما الحجة روايته المستندة إلى اللغة ، أو إلى من قوله حجة ، فإن قلتم : إمامته وعدالته يمنعه من أن يقول في القرآن برأيه ، فلكلامه حكم الرفع . قلنا اختلاف أئمة التفسير من الصحابة والتابعين وتابعيهم معلوم لكل باحث ، حتى ربما انتهت الأقوال لهم في آية واحدة إلى عشرين أو ثلاثين قولًا ، كل واحد منها مخالف للآخر ، فإن كانت عدالة كل واحد وإمامته تمنعه من أن يقول في القرآن برأيه فلتفسيره حكم الرفع ، ولزم التعبد بالجمع ولا قائل به [ 3 ] . وربما اجتمع في بعض المواطن النقيضان ، وبطلانه معلوم ضرورة ، بل الذي ينبغي تعويل
--> ( 1 ) [ التوبة : 29 ] . ( 2 ) في " الكشاف " ( 3 / 32 ) .