محمد بن علي الشوكاني

5035

الفتح الرباني من فتاوى الإمام الشوكاني

الأزبال ، وهذا وجه غير وجيه باعتبار ما سأل عنه المستفهم ؛ لأنه إنما سأل عن جواز الإجبار إذا لم يحصل امتثال ، ولم يقل إني أنزه اليهود عن هذه الرذيلة ، وأخص لها أهل الإسلام إهانة مني لهم ، وإعزازًا لأعداء الله ، وتعظيمًا لهم ، فتنزه أهل الإيمان عن الرذائل ، لما يشك في حسنها . قل : فالجواب ليس بمطابق للسؤال . ثم قال : الدليل السادس : أورد فيه حديث : " الإسلام يعلو ولا يعلى عليه " ( 1 ) . وديدن حول ما أراد من إجبار اليهود على ذلك المراد ، ولعمري أن الحديث لا يدل على ذلك ، مع تسليم أنه خبر في معنى الأمر كما قرره في كلامه ، غايته أنه أمر المسلمين بالعلو ، والتنزه عن الرذائل ، فمن أين لنا الدليل من الحديث على إجبار اليهود ؟ وكيف المأخذ ؟ هل مطابقة أو تضمن ، أو التزام مع أنه إنما قال لعله خبر في معنى الأمر ترجيًّا : { وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ } ( 2 ) . ثم قال : الدليل السابع : وذكر حديثًا أخرجه مسلم بلفظ : " لا تبدءوا اليهود والنصارى بالسلام ، وإذا لقيتموهم في طريق فاضطروهم إلى أضيقه " ( 3 ) . ومراده أن أهل الإسلام مأمورون بذلك لما فيه من ظهور العزة ، يقال عليه : نعم مأمورون بذلك ، فأين الدليل فيه على الإجبار على الالتقاط الذي هو المسؤول عنه ، وهو محل النزاع ؟ فالله المستعان كيف جعل الأمر باضطرار اليهود إلى أضيق الطريق دليلًا على إجبارهم على التقاط الأزبال ! فهذا الاستدلال لم يخطر لأحد على بال . إن كان من النص فالمنصوص إنما هو الاضطرار ، وإن كان قياسًا فهو محتاج إلى التصحيح والبيان ، وأما التوجع على المسلمين من تلك الخصيلة الشنعاء فأمر وراء الجواب وغير داخل في محل النزاع .

--> ( 1 ) تقدم تخريجه . ( 2 ) [ الأحزاب : 4 ] . ( 3 ) تقدم تخريجه .