محمد بن علي الشوكاني
5032
الفتح الرباني من فتاوى الإمام الشوكاني
لتحصيل ما دلت عليه الآية ! وهل كانت زمن رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ - خالية على المدلول حتى اخترع في الزمن الأخير أن توقد المستحمات بالأزبال ؟ إن هذا لشيء عجاب . وإن قال : إن الآية خبر في معنى الأمر ( 1 ) فباطل بمثل ما بطل به الأول ؛ لأنه لم يأمر النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ - ولا أصحابُه ، اليهودَ بالالتقاط تحصيلًا لما دلت عليه الآية ، وإلا كانوا غير ممتثلين ، فإن قال : هو عام لكل ذلة وهذا من الجملة فقد حصل الإخلال ، وإن قال هو خاص فأين دليله من لغة أو شرع . وقد ركب قياسًا منطقيًّا من الشكل الأول البدهي الإنتاج ، لكنه مختل وقد أخذه مما استنبطه من الآية فقال : إجبارهم على الالتقاط محصل للذلة وكل محصل للذلة جائز . فإجبارهم على الالتقاط جائز . فيقال له أولًا : إن أردت أنا مكلفون بما دلت عليه الآية فإنه خبر في معنى الأمر ، فالكبرى ممنوعة ، بل يجب إبدالها بقوله : وكل محصل للذلة واجب ، فينسخ أن إجبارهم على الالتقاط واجب ؛ لأن الأمر للوجوب لا للجواز كما عرف في الأصول عند الجمهور ، ولا يخفى أنها إن سلمت الكبرى ، وهو الحتم على كل مكلف ، بل ما يحصل به الذلة لليهود من مأكل ، ومشرب ، وملبس ، ومسكن على كل حال ، وفي أي زمان من كل فرد مع اختلاف الأحوال ، والأشخاص ، والأزمان والأمكنة ، والأعراف . ولهذه الكلية لا تنعقد لهم ذمة ، ولا يتم لهم صلح ، كيف وقد ثبتت مصالحتهم من سالف الأعصار في كل الأقطار ، وثبتت معاملتهم لخير القرون في البيوعات وغيرها بما يطول شرحه ، حتى تأجير المسلمين منهم ، وقد مات خير خلق الله صلوات الله وسلامه عليه وعلى آله وسلم [ 4 ] ودرعه مرهونة في آصع من شعير كما ثبت في الصحيح ( 2 ) .
--> ( 1 ) انظر الرسالة رقم ( 168 ) . ( 2 ) البخاري في صحيحه رقم ( 2066 ) من حديث أنس .