محمد بن علي الشوكاني
5015
الفتح الرباني من فتاوى الإمام الشوكاني
من جزيرة العرب ( 1 ) ثم قال : أخرجوهم من الحجاز عرفنا أن مقصوده بجزيرة العرب الحجاز فقط ، ولا مخصص للحجاز عن سائر البلاد إلا أن رعاية المصلحة في إخراجهم منه أقوى ، فوجب مراعاة المصلحة إذا كانت في تقريرهم أقوى منها في إخراجهم . ولا شك أن امتناعهم من القيام بهذه العهدة التي هي رأس المصالح قادح في جواز التقرير ، قادح . قال في الغيث ( 2 ) : هذا أقوى ما يحتج به أصحابنا في جواز تقريرهم في بلاد العرب . انتهى . وهذا الاستدلال وإن كان فيه عندي نظر من وجوه ليس هذا محل إيرادها إلا أنه هو الدليل الذي بنيت عليه القناطر عند المتأخرين . وأما تخصيص الأمر بالإخراج بالحجاز فقد ذهب إليه جماعة من العلماء ( 3 ) ، ونصره العلامة المغربي الحسين بن محمد صاحب البدر ، وألف في ذلك رسالة نفيسة ، ولكنه إذا نظر المنصف إلى أن آخر ما تكلم به النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ - : " أخرجوا اليهود من جزيرة العرب " ( 4 ) وأمعن النظر في المسألة الأصولية - أعني بناء العام على الخاص على جميع التقادير - ، أو بناه على بعضها دون
--> ( 1 ) أخرجه أحمد ( 1 / 222 ) والبخاري رقم ( 3053 ) ومسلم رقم ( 20 / 1637 ) من حديث ابن عباس قال : اشتد برسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وجعه يوم الخميس وأوصى عند موته بثلاث : " أخرجوا المشركين من جزيرة العرب وأجيزوا الوفد بنحو ما كنت أجيزهم " ونسيت الثالثة . والشك من سليمان الأحول . * وأخرج البخاري في صحيحه رقم ( 3152 ) من حديث ابن عمر : أن عمر أجلى اليهود والنصارى من أرض الحجاز ، وذكر يهود خيبر إلى أن قال : أجلاهم عمر إلى تيماء وأريحاء . ( 2 ) تقدم تعريفه . ( 3 ) قال الحافظ في " الفتح " ( 6 / 171 ) : الذي يمنع المشركون من سكناه منها الحجاز خاصة وهو مكة والمدينة واليمامة وما والاها . لا فيما سوى ذلك مما يطلق عليه اسم جزيرة العرب ، لاتفاق الجميع على أن اليمن لا يمنعون منها مع أنها من جملة جزيرة العرب ، وهو مذهب الجمهور ، وعن الحنفية يجوز مطلقًا إلا المسجد ، وعن مالك يجوز دخولهم الحرم للتجارة ، وقال الشافعي : لا يدخلون الحرم أصلًا إلا بإذن الإمام لمصلحة المسلمين خاصة . ( 4 ) تقدم تخريجه .