محمد بن علي الشوكاني
5005
الفتح الرباني من فتاوى الإمام الشوكاني
بسم الله الرحمن الرحيم أحمدك لا أحصي ثناءً عليك أنت كما أثنيت على نفسك ، وأصلي على رسولك وآله وصحبه . قلتم - طول الله مدتكم وحرس مهجتكم في مشرفكم - : هل من دليل يدل على إجبار اليهود على التقاط الأزبال ؟ فأقول : لم أقف قبل كتب هذه الأحرف على كلام في ذلك لأحد من العلماء ، وقد خطر بالبال حال زبر هذه الأحرف من الأدلة خمسة عشر دليلًا . الأول : قال الله تعالى : } حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ { ( 1 ) ضرب الله - جل جلاله - [ لجواز ] ( 2 ) مصالحة الكفار غاية هي إعطاء الجزية ، وقيدها بالجملة الحالية ( 3 ) وهي قوله : وهم صاغرون ، إشعارًا بأن مجرد إعطاء الجزية غير كاف في جواز الموادعة والمصالحة ، وحقن الدماء ، وجعلها اسمية تنبيهًا على دوام الصغار لهم وثباته كما
--> ( 1 ) [ التوبة : 29 ] . ( 2 ) زيادة من ( أ ) . * على الصفحة الأولى من المخطوط ( أ ) ما نصه : هذا الجواب على سيدي العلامة الروح عيسى بن محمد بن الحسين حفظه الله تعالى . ( 3 ) قال الشوكاني في " السيل الجرار " ( 3 / 776 - 777 ) : وجهه أن الله سبحانه قد قال في محكم كتابه : " حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون " [ التوبة : 29 ] . فهذه الجملة حالية قد أفادت أنه ينزل بهم ما فيه صغار في ملبوسهم وبيوتهم ومركوبهم ، ونحو ذلك من شؤونهم ، ويمنعون مما يخالف الصغار ، وهو التشبه بالمسلمين في ملبوسهم وبيوتهم ومركوبهم ونحو ذلك ، وقد أخذ عليهم عمر بن الخطاب رضي الله عنه عهدًا ذكر فيه ما يعتمدون عليه في حالهم ومالهم ومساكنهم وكنائسهم ، ومن جملته : أنهم لا يتشبهون بالمسلمين في ملبوساتهم في قلنسوة ولا عمامة ولا نعلين ولا فرق شعر ، وفيه أنهم يجزون مقاديم رؤوسهم وأن يشدوا الزنانير على أوساطهم ، ولا يظهرون صليبًا ولا شيئًا من كتبهم في طريق المسلمين ، وفيه أنهم لا يضربون ناقوسًا إلا ضربًا خفيفًا ، ولا يرفعون أصواتهم بالقراءة في شيء في حضرة المسلمين ، وهذا العهد العمري . انظر : " المحلى " ( 7 / 346 - 347 ) .