محمد بن علي الشوكاني
4974
الفتح الرباني من فتاوى الإمام الشوكاني
السنةِ حتى أبانَ لنا بأنَّ هذه السنة ( 1 ) هي التي خلتْ في عباده ، وأنه شرْعُه الذي ارتضاه لمن مضَى من الأمم ، وأنَّ الشرائع التي شرعَها لسابق عبادِه ولاحقِهم في كتبه المنزَّلةِ [ 2 أ ] ، وعلى ألسنِ رسله هي هذه ، ثم ذيَّلَ هذا الكلامَ بقوله : { وخسر هنالك الكافرون } فكان في هذه الجملة [ . . . . ] ( 2 ) أبلغ مناداةِ ، فإنه لم يحصلْ لهم من ذلك الإيمانِ عند رؤية الناس إلا الخسران ، فلم يعاقبوا بمجرَّد الخيبةِ مما قالوه بألسنتهم ، بل ضمَّ لهم إلى ذلك الخسرانَ المشعِرَ بأنه قد نزل بهم من المِحَنِ ما لا يُعَبَّرُ عنه إلا بهذه العبارة المفيدة لجمعِ العقوبةِ لهم على أبلغِ وجهٍ ، وأتمِّ صورة ، فكان فيها من الدلالة على ما أراده الإمام علي بن موسى - رحمه الله - والمناداةُ بما قصده بما هو أوضحُ من شمس النهار ، وأمَّا حديثُ : " الإسلام يجب ما قبله " ( 3 ) فغايتُه أنه دلَّ بعمومه باعتبار تعريفِ المسندِ إليه على أنه يجبُّ كلَّ ما تقدَّمهُ ، وإن كان قائله إنما قاله عند رؤية الناس ، ومخافةِ السيفِ . ولا يصلح مثل هذا الحديث لتخصيص عموم الآيةِ ؛ لأنه عامٌّ فيها يعارضُ عموماتٍ ، فيطلب المرجح لأحدِهما ، لا سيَّما بعد ورودِه على هذا الوجه من التأكيد ، والتكرُّرِ ، والمبالغةُ في العبارة أرجحُ لكونه قطعيَّ المتنِ ، وإن كان ظنيَّ الدلالة لكنه أرجحُ من الحديث ، فإنه ظنيُّ المتن والدلالةِ جميعًا [ 2 ب ] .
--> ( 1 ) تقدم شرحها . ( 2 ) كلمة غير واضحة في المخطوط . ( 3 ) أخرجه أحمد في " المسند " ( 4 / 199 ) و ( 4 / 205 ) . وأخرجه الطبراني كما في " المجمع " ( 9 / 350 - 351 ) وقال : رجالهما رجال الصحيح . والبيهقي في " السنن الكبرى " من حديث عمرو بن العاص أنَّ النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال : " الإسلام يجب ما قبله " . وأخرجه ابن سعد في " الطبقات " ( 7 / 296 - 497 ) ، من حديث جبير بن مطعم . وأخرجه مسلم في صحيحه رقم ( 192 / 121 ) من حديث عمر بلفظ : " أما علمت أن الإسلام يهدم ما كان قبله ، وأنَّ الهجرة تهدم ما كان قبلها ، وأن الحج يهدم ما كان قبله " .