محمد بن علي الشوكاني

4971

الفتح الرباني من فتاوى الإمام الشوكاني

بسم الله الرحمن الرحيم وجدتُ بخطِّ المولى شيخ الإسلام - رضي الله عنه - ما لفظه : ذكر الخطيب في تاريخ بغداد في ترجمة علي بن موسى الرضا ( 1 ) ما لفظُهُ : بعد حذف السندِ منه إليه لما أُدخِلَ على المأمون رجلٌ نصراني قد وُجِدَ مع امرأةٍ هاشميةٍ ، فلما أدخل عليه أسْلَمَ فغاظ المأمون ذلك غيظًا شديدًا ، فاستفتى الفقهاء فكلٌّ قال : هدمَ إسلامُهُ ما فعلَه ، فقال رجل : يا أمير المؤمنين ، اكتب إلى علي بن موسى في هذا . قال : فكتب إليه فوافاهُ علي بن موسى فقال : يا أمير المؤمنين ، اضرب عنُقَهُ ؛ فإنه إنما أسلمَ [ اأ ] مخافةً من السيف ، فقال الفقهاء : من أين لك هذا ؟ قال : فقرأ علي بن موسى : { فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا قَالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبَادِهِ وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْكَافِرُونَ } ( 2 ) انتهى .

--> ( 1 ) علي الرضا بن موسى الكاظم بن جعفر الصادق ، بن محمد الباقر ، بن علي ، بن الحسين ، الهاشمي العلوي المدني ، وأمه ثويبة اسمه سُكينة . كان مولده بالمدينة سنة 148 ه - . قال ابن جرير الطبري في تاريخه ( 8 / 554 ) : " إن المأمون جعل عليّ بن موسى وليّ عهده لأنه نظر في بني العباس وبني علي ، فلم يجد أحدًا هو أفضل ولا أعلم ولا أورع منه وأنه سماه الرضي من آل محمد توفي سنة 203 ه - . انظر " تاريخ الطبري " ( 8 / 554 ، 568 ) ، " سير أعلام النبلاء " ( 9 / 387 ) ، " شذرات الذهب " ( 2 / 602 ) ، " وفيات الأعيان " ( 3 / 269 ) . ( 2 ) [ غافر : 84 ، 85 ] . قال الألوسي في " روح المعاني " ( 24 / 92 - 93 ) : " فلما رأوا بأسنا " مترتب على قوله تعالى : " فلما جاءتهم رسلهم بالبينات " تابع له لأنه بمنزلة فكفروا إلا أن " فلما جاءتهم " الآية بيان كفر مفصل مشتمل على سوء معاملتهم وكفرانهم بنعمة الله تعالى العظمى من الكتاب والسنة فكأنه قيل : فكفروا فلما رأوا بأسنا آمنوا ، ومثلها الفاء " فلم يك ينفعه " عطف على آمنوا دلالة على أن عدم نفع إيمانهم ورده عليهم تابع للإيمان عند رؤية العذاب كأنه قيل : فلما رأوا بأسنا آمنوا فلم ينفعهم إيمانهم إذ النافع إيمان الاختيار . " سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبَادِهِ " أي سن الله تعالى ذلك أعني عدم الإيمان عند رؤية البأس سنة ماضية في العباد وهي من المصادر المؤكدة كوعد الله وصبغة الله . قال القرطبي في " الجامع لأحكام القرآن " ( 15 / 336 ) " سنة الله " منصوب على التحذير والإغراء : أي احذروا يا أهل مكة سنة الله في إهلاك الكفرة . وانظر " جامع البيان للطبري " ( 12 ج‍ 24 / 90 ) . قال الرازي في تفسيره ( 27 / 91 - 92 ) : المعنى : فلم يصح ولم يستقم أن ينفعهم إيمانهم ، فإن قيل اذكروا ضابطًا في الوقت الذي لا ينفع الإتيان بالإيمان فيه . قلنا : إنه الوقت الذي يعاين فيه نزول ملائكة الرحمة والعذاب لأن في ذلك الوقت يصير المرء ملجأ إلى الإيمان ، فذلك الإيمان لا ينفع إنما ينفع مع القدرة على خلافه ، حتى يكون المرء مختارًا ، أما إذا عاينوا علامات الآخرة فلا . قال تعالى : " سنة الله التي قد خلت في عباده " المعنى أن عدم قبول الإيمان حال البأس سنة الله مطردة في كل الأمم . قال ابن كثير في تفسيره ( 7 / 160 ) : " فلما رأوا بأسنا " أي : عاينوا وقوع العذاب بهم . " قالوا آمنا بالله وحده وكفرنا بما كنا به مشركين " أي : وحدوا الله وكفروا بالطاغوت ، ولكن حيث لا تقال هذه العثرات ولا تنفع المعذرة ، وهذا كما قال فرعون حين أدركه الغرق : " آمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ " [ يونس : 90 ] . قال سبحانه وتعالى : " الآن وقد عصيت قبل وكنت من المفسدين " [ يونس : 91 ] . أي : فلم يقبل الله منه ، لأنَّه قد استجاب لنبيه موسى دعاءه عليه حين قال : " واشدد على قلوبهم فلا يؤمنوا حتى يروا العذاب الأليم " [ يونس : 88 ] . وهكذا هاهنا أيضًا قال : " فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبَادِهِ " : أي هذا حكم الله في جميع من تاب عند معاينة العذاب . أنه لا يقبل ولهذا جاء في الحديث : " أن الله يقبل توبة العبد ما لم يغرغر " - أخرجه الترمذي رقم ( 3537 ) وابن ماجة رقم ( 4253 ) من حديث ابن عمر - أي : فإذا غرغر وبلغت الروح الحنجرة وعاين الملك ، فلا توبة حينئذ ولهذا قال : " وخسر هنالك الكافرون " .