محمد بن علي الشوكاني
4909
الفتح الرباني من فتاوى الإمام الشوكاني
وتأملْ موقع هذا الخطابِ من النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حيث يقول : " يا صاحبَ المقراةِ لا تخبره " ثم يواجه هذا الصحابيَّ الجليلَ بقوله : " هذا متكلِّفٌ " فإنَّ في هذا أبلغَ زاجرٍ للمحكِّمينَ للشكوكِ ، المتنطعينَ المتكلِّفين ، المثبتين في هذه الشريعة ما ليس منها والأحاديث ( 1 ) في هذا الباب كثيرة لمن تتبعها ، وأمعنَ النظرَ في شأنها . ولا شك أن الزرعَ الذي وقعَ السؤالُ عنه عند دياسته بدوابً لا تؤكلُ كالحميرِ والأُتنِ محكومٌ له بالطهارةِ ؛ لأنه متولِّد بين طاهرينِ : الترابِ الذي نبتَ ، والماء الذي سُقي به ، بل هما مستحقَّان لوصف زائدٍ على مجرد كونِهما طاهرينِ وهو أنهما مطهَّران لغيرهما . وإذا تقرر أن الزرع المذكورَ [ 2 أ ] طاهرٌ وأن طهارتَه مجمعٌ عليها من جميع المسلمينَ فالواجبُ استصحابُ هذا الأصل . ومن عَرَضتْ له شكوكٌ فسأل عن طهارتِها قلنا كما قال رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لعمر رضي الله عنه أنه متكلِّفٌ . وأما إذا كان السؤالُ بأشياءَ لا عن مجرَّد شكوكٍ كهذا السؤالِ الذي أورده السائل - كثر الله فوائده - فإنه إنما سأل عن شيء يشاهده ويشاهده غيرُه من دياسِ الزُّرَّاعِ في الجرينِ بالدوابِّ التي لا يؤكلُ لحمُها ؟ فنقول : لا شكَّ أن الدياس بها مظنَّة لوقوع البولِ
--> ( 1 ) منها ما أخرجه البخاري رقم ( 7288 ) ومسلم رقم ( 1337 ) عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : خطبنا رسول الله فقال : " يا أيها الناس قد فرض الله عليكم الحج فحجُّوا " . فقال رجلٌ : أكلُ عام يا رسول الله فسكت حتى قالها ثلاثًا فقال صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " لو قلت نعم لوجبت ولما استطعتم " ثم قال : " ذروني ما تركتكم ، فإنما هلك من كان قبلك بكثرة سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم فإذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم ، وإذا نهيتكم عن شيء فدعوه " . ومنها : ما أخرجه الحاكم في " المستدرك " ( 2 / 375 ) وصحح إسناده ووافقه الذهبي عن أبي الدرداء رضي الله عنه ( رفع الحديث ) قال : ما أحل الله في كتابه فهو حلال وما حرم فهو حرام ، وما سكت عنه فهو عافية فاقبلوا من الله العافية فإنَّ الله لم يكن نسيًّا ، ثم تلا هذه الآية : ( وما كان ربك نسيا ) [ مريم : 64 ]