محمد بن علي الشوكاني

4906

الفتح الرباني من فتاوى الإمام الشوكاني

وأقول : إنه وقع الاتفاق بين جميع علماء الإسلام . أن الأصلَ في كل شيء الطهارةُ وأن هذا الأصلَ يجبُ استصحابُه ( 1 ) حتى يُعْلَمَ وجودُ الناقلِ عنه ، علمًا شرعيًّا لا مجرَّد الظنون ( 2 ) الفاسدةِ ، التي هي شأن كثير من الموسوسينَ في الطهارةِ ، فإن الانتقالَ عن ذلك الأصل المجمعِ عليه [ اأ ] بشيء من ظنونِ أهلِ الوسوسةِ لم يقل به قائلٌ من أهل العلم ، بل هو غير جائز لا سيما في أبواب تطهيرِ النِّجسِ ورَفْعِ الحدث ولهذا ثبتَ عنه - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أنه قال : " فمن زاد فقد أساءَ ، وتعدَّ وظلم " ( 3 ) . بل جزم بعض أهل العلمِ بِفِسْقِ الموسوسينَ في الطهارةِ ، المجاوزين للحدود التي شرعها الشارع . وإذا تقرَّر ما ذكرناه من الإجماع على أن الأشياءَ جميعَها طاهرةٌ أصالة حتى يُعلمَ وجودُ الناقلِ علمًا شرعيًّا . فاعلم أن الشارعَ قد أشار على هذا الأصلِ ، وأرشدَ إليهن وعمل عليهن وقدَّره في غير موطنٍ ، فمن ذلك حديثُ عبَّادِ بنِ تميم عن عمِّه قال : شكى إلى النَّبيِّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - والرجلُ يُخيَّلُ إليه أنه يجد الشيء في الصلاةِ قال : " لا ينصرف حتى يسمع

--> ( 1 ) يشير إلى استصحاب البراءة الأصلية ويسميها ابن القيم براءة العدم الأصلية كبراءة الذمة من التكليفات الشرعية حتى يقوم الدليل على ذلك التكليف . . . وهي استدامة ما كان ثابتًا ونفي ما كان منفيًّا . " أعلام الموقعين " ( 1 / 339 ) ، " إرشاد الفحول " ، ( 772 - 780 ) ( 2 ) يبنى الاستصحاب على مبادئ منها : أ - اليقين لا يزول . ب - الأصل في الأشياء الإباحة . ج - الأصل براءة الذمة . وانظر أنواع الاستصحاب وحجيته في " إرشاد الفحول " ( ص 773 - 774 ) ( 3 ) أخرجه : أبو داود ، رقم ( 135 ) ، والنسائي رقم ( 140 ) ، وابن ماجة ، رقم ( 422 ) ، من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده بسند حسن .