محمد بن علي الشوكاني
4877
الفتح الرباني من فتاوى الإمام الشوكاني
نسلم [ 2 ] أن ظاهرها عدم الفرق بين وصية الضرار وغيرها ، لأن وصية الضرار قد سلف أنها من محبطات الأعمال ، ومن موجبات دخول النار ، فهي بلا شك زيادة في السيئات لا زيادة في الحسنات ، والنبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ - قد قيد الإذن بالتصرف في الثلث والتفويض فيه بقوله : زيادة في حسناتكم ، وفي حديث أبي هريرة ( 1 ) المشار إليه بلفظ : زيادة في أعمالكم ، فليس في هذه الأحاديث بعد تقييدها بالزيادة في الحسنات , والزيادة في الأعمال ما يدل على أنها تدل على صحة وصية الضرار ( 2 ) . الوجه الثالث : أنا لو سلمنا أنها أعم من الأدلة المانعة من وصية الضرار من وجه ، وأخص منها من وجه ، ولم نلتفت إلى ما قيدت به من الزيادة في الحسنات ، والزيادة في الأعمال ، وصرنا إلى التعارض والترجيح ، فلا يشك من له أدنى تمسك بأذيال العلم أن نصوص الكتاب والسنة القاضية بالمنع من وصية الضرار أرجح من هذه الأحاديث الضعيفة . وإذا تقرر هذا علم المنصف أن من أجاز الوصية بالثلث ضرارا وإحراما للوارث ليس بيده دليل ، وأما ما يستند إليه من قصر باعه ، وقلة حظه ، واطلاعه من أن الوصية ليس من شرطها القربة فتصح وصية الضرار ( 3 ) ؛ فهذه غفلة عظيمة سببها عدم الاطلاع على
--> ( 1 ) تقدم تخريجه وهو حديث حسن . ( 2 ) قال الشوكاني في " وبل الغمام " ( 2 / 396 ) : " بتحقيقي . . فوصية الضرار ممنوعة بالكتاب والسنة ، ومن جملة أنواع لضرار تفضيل بعض الورثة على بعض فإن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سمى ذلك جورًا كما في حديث النعمان وقد تقدم " . ومن جملة أنواع الضرار ما أشار إليه بقوله : أو لإخراج المال مضارة للورثة ، فإن من أوصى بماله أو بجزء منه لقربة من القرب ، مريدًا بذلك إحارم الورثة جميع ميراثهم أو بعضه فوصيته باطلة ، لأنه مضار وظاهر الأدلة أنه لا ينفذ من وصية الضرار شيء سواء كانت بالثلث أو بما دونه أو بما فوقه ، بل هي رد على فاعلها فتكون أحاديث الإذن بالثلث مقيدة بعدم الضرار . ( 3 ) قال ابن قدامة في " المغني " ( 8 / 397 ) : وإن وصى لولد وارثه صح ، فإن كان يقصد بذلك نفع الوارث لم يجز فيما بينه وبين الله تعالى . قال طاووس في قوله تعالى : " فمن خاف من موص جنفا أو إثما " [ البقرة : 186 ] . قال : أن يوصي لولد ابنته ، وهو يريد ابنته . رواه سعيد - أخرجه البيهقي في " السنن الكبرى " ( 6 / 265 - 266 ) والدارقطني ( 4 / 52 ) . قال ابن عباس : الجنف في الوصية والإضرار فيها من الكبائر .